كتب المستشار والأديب والشاعر والباحث القانوني
المستشار والمحامي مختار راجح
تعلمت مني الحروف، وملت مني الكلمات، وطفح الحبر من القلم. كتبت آلاف المنشورات، وكان الوطن يسكن بين سطوري، حتى حملت الحروف فوق طاقتها من المعنى، فإذا بها تستعطفني وكأنها تقول: لمن تكتب؟ ولماذا تكتب؟ وما الغاية والجدوى؟
أخجلتني حروفي بهذا السؤال، ولكن أناملي أبت أن تستسلم، فقررت أن أكتب؛ إما أن يجف حبري، أو تنام أناملي بين السطور.
سأكتب عن الوطن ما حييت، وعن الإصلاح، وعن كل من يسعى إلى بنائه، وعن كل ممارسة أراها تهدد مؤسساته أو تسيء إلى موارده أو تنتقص من كرامة أبنائه، حتى تنتحر الكلمات من شدة ما تحمل، أو يموت القلم واقفًا في محراب الحقيقة.
أبين ليست مجرد محافظة في خارطة الوطن؛ إنها بلدي وموطني ومسقط رأسي.
ومن أجلها تحملت الكثير، ودخلت في خلافات ومواقف صعبة، ودفعت أثمانًا اجتماعية وشخصية بسبب مواقفي. وأذكر هنا أن رابطة الأهل والقبيلة وقفت إلى جانبي في لحظات عصيبة، وكان موقف إخوتي من آل فضل بالنسبة لي سندًا معنويًا ووطنياً لا أنساه.
ولولا ذلك السند، ربما كان من الصعب على القلم أن يواصل طريقه في زمن أصبحت فيه المجاملة عند البعض طريقًا أسهل من الحقيقة، وأصبح المدح أحيانًا أقصر الطرق إلى النجاة.
لقد شرحت القانون حتى شعرت أنني لم أعد أبحث عن قضية لأشرحها، بل أصبحت أبحث عن خطأ إداري لأبين للسلطة أين يبدأ الصواب وأين ينتهي الخطأ، وكيف ينبغي أن تتصرف الإدارة وفق النظام والقانون.
كتبت عن قانون السلطة المحلية، واللائحة التنفيذية لصندوق النظافة، وقانون المناقصات والمزايدات، ولوائح النقل البري، وتشريعات الأراضي، ولم يكن هدفي من ذلك مهاجمة أحد، وإنما كنت أريد أن يكون القانون سراجًا تستضيء به المحافظة، وأن تكون النصوص طريقًا للإصلاح لا وسيلة لتعطيل التنمية.
لكنني اليوم أرى أسئلة كثيرة تستحق أن تطرح بشجاعة ومسؤولية.
ما يحدث في أبين لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد صور إعلامية ومنشورات احتفالية؛ فالإعلام الحقيقي لا يكتفي بتصوير المسؤول وهو يقف أمام مشروع، وإنما يسأل أيضًا: كم بلغت الإيرادات؟ وأين ذهبت؟ وما حجم المساعدات؟ وكيف أنفقت؟ ومن المستفيد؟ وهل جرت الإجراءات وفق القانون؟
وهنا أقولها بوضوح:
الاستخفاف بعقول الناس امتهانٌ لكرامتهم.
فالناس لم تعد تنتظر صورة أمام مشروع، وإنما تريد أن تعرف حقيقة المشروع، ومصدر تمويله، وتكلفته، والجهة المنفذة، وآلية التعاقد عليه، وما إذا كانت المناقصة قد أعلنت وفق القانون أم لا.
وإذا صح ما يتداول عن وصول مساعدات أو مبالغ مالية كبيرة إلى المحافظة، فإن السؤال القانوني الطبيعي ليس اتهام أحد، وإنما: أين المستندات؟ وأين القيود المالية؟ وأين أوجه الصرف؟
ومن هنا، فإنني أتساءل عن ظاهرة تحرير سندات تحسين على ناقلات تمر عبر المحافظة، بمبالغ تصل ـ بحسب ما يُتداول ـ إلى خمسين ألف ريال للسند.
فالقاعدة القانونية البسيطة أن الرسم لا يكون رسمًا مشروعًا لمجرد تسميته رسمًا؛ وإنما لا بد أن يستند إلى نص قانوني، وأن يكون مقابلاً لخدمة أو عملاً يقرره القانون واللوائح المختصة، وأن يتم تحصيله بالطريقة التي حددها المشرع.
أما إذا كان هناك نص أو لائحة تجيز التحصيل، فيجب تطبيق النص بحدوده، دون توسع أو ابتكار رسوم جديدة تحت أي مسمى.
ولهذا كنت قد ناقشت في دراستي للائحة التنفيذية لصندوق النظافة موارد الصندوق وأوجه التحصيل، لأن المال العام ليس ملكًا للأشخاص، وإنما هو أمانة في ذمة الإدارة، ولا يجوز تحصيل ريال واحد إلا بسند قانوني واضح.
ثم ألتفت إلى الجانب الآخر من المشهد، فأجد حديثًا عن مناقصات بمبالغ كبيرة، تصل ـ وفق ما يثار من معلومات ـ إلى مئات الملايين، دون أن تكون إجراءات الإعلان والمنافسة واضحة للرأي العام.
وهنا أيضًا لا أتهم شخصًا بعينه، وإنما أطرح سؤالًا قانونيًا:
هل أُعلنت المناقصات وفق قانون المناقصات والمزايدات والمخازن الحكومية ولائحته التنفيذية؟ وهل أتيحت المنافسة لجميع المستوفين للشروط؟ وهل كانت إجراءات الإرساء والتعاقد والتوريد معلنة وموثقة؟
فالمناقصة ليست إجراءً شكليًا، والإعلان ليس ورقة تُعلق ثم تُنسى؛ وإنما هما جزء من منظومة قانونية غايتها حماية المال العام، وتحقيق المنافسة، ومنع المحاباة، وإتاحة الفرصة المتكافئة.
إن شطب القانون من المشهد الإداري لا يحدث دائمًا بقرار مكتوب؛ فقد يحدث أحيانًا عندما تصبح العلاقات الشخصية أقوى من النص، وعندما يصبح القرب من المسؤول أهم من الكفاءة، وعندما يتحول الإعلام من وسيلة لكشف الحقيقة إلى ستار يحجبها.
وطنٌ يُدار بالصور فقط، وطنٌ يحتاج إلى أن يسأل عن الأرقام.
كنت أظن أن مجيء الدكتور الرباش يمكن أن يمثل بداية مختلفة، وأننا أمام فرصة لإعادة ترتيب البيت الإداري، وإعادة الاعتبار للمؤسسات والقانون، وفتح صفحة جديدة من العمل العام.
لكنني أقولها من باب الأدب قبل السياسة، ومن باب النقد قبل الاتهام:
لا ينبغي أن يتحول الأمل في الإصلاح إلى خيبة جديدة.
وإذا استعرنا من التاريخ صورة فتح مكة، فإن فتح مكة كان لحظة عظيمة في تاريخ الإنسانية لأنها ارتبطت بالعفو، وحقن الدماء، وإعلاء قيمة الإنسان، وإعادة بناء المجتمع على أساس الحق.
أما إذا تحول المشهد إلى خصومات وانقسامات، وإقصاء وتشهير، واستعراض إعلامي، فإننا نكون أمام صورة معاكسة تمامًا لروح الفتح؛ لأن أعظم الانتصارات ليست أن ينتصر الحاكم على خصمه، وإنما أن ينتصر القانون على الفوضى، والعدل على الظلم، والمصلحة العامة على المصالح الشخصية.
وأنا لا أريد لأبين أن تكون ساحة معركة بين الأشخاص.
أريدها أن تكون ساحة انتصار للقانون.
لا يهمني إن كان المخطئ قريبًا أو صديقًا أو أخًا أو أبًا أو صاحب نفوذ؛ فالقاعدة عندي واحدة:
من كان بريئًا فليظهر براءته بالوثائق، ومن كان على حق فليحتكم إلى القانون، ومن كانت عليه ملاحظة فليجب عنها بالحجة، لا بالصورة، ولا بالمنصب، ولا بالإعلام.
أما أنا، فقد اخترت طريقًا أعرف ثمنه.
طريق القلم.
وقد يجف الحبر، وقد تتعب الأصابع، وقد تصمت المنابر، لكن ما دام في القلب وطن، وفي العقل قانون، وفي الضمير بقية من شجاعة، فسوف تبقى الكلمة حاضرة.
فالقلم الذي يخاف من الحقيقة لا يستحق أن يكتب عن الوطن، والوطن الذي يخاف من السؤال لا يستطيع أن يبني دولة.
إن أبين لا تحتاج إلى من يمدحها، بل إلى من يحمي مواردها.
ولا تحتاج إلى من يكثر التصوير، بل إلى من يكثر الإنجاز.
ولا تحتاج إلى من يخبر الناس أن كل شيء بخير، بل إلى مسؤول يستطيع أن يقف أمام الناس ويقول:
هذه إيراداتنا، وهذه نفقاتنا، وهذه مشاريعنا، وهذه مناقصاتنا، وهذه وثائقنا، وهذا هو القانون الذي عملنا بموجبه.
عندها فقط يصمت القلم احترامًا للمؤسسة.
وعندها فقط تكون الكاميرا شاهدًا على الإنجاز، لا بديلًا عنه.