حين تتحول الكاميرا من وسيلة لتوثيق الإنجاز إلى بديلٍ عن الإنجاز، تصبح الصورة أكبر من الحقيقة، وتصبح المنصات مسرحًا تُعرض عليه المشاهد، بينما الواقع في الخارج يئنّ تحت وطأة الفوضى.
يا محافظ أبين، المحافظة ليست استوديو تصوير، والقيادة ليست وقوفًا أمام العدسات، وليست منشوراتٍ متتابعة على فيسبوك. القيادة مسؤولية، والإنجاز فعل، والأمن أولوية، وكرامة الناس ليست خلفيةً لصورة.
المؤلم أن تُترك المحافظة تواجه التوتر والانفلات، وتتصاعد الخصومات والاقتتال القبلي، بينما ينشغل المسؤول بإنتاج الصور وتوثيق اللحظات وكأن إدارة المحافظة فيلمٌ طويل يحتاج إلى كاميرات أكثر مما يحتاج إلى قرارات.
حتى قراءة القرآن لم تسلم من عدسة التصوير!
وصل الأمر إلى مشاهد أقرب إلى أفلام هوليوود؛ مرةً يظهر المسؤول في صورة البطل الذي يحارب الجبايات، ومرةً تتحول قضية السجن إلى مشهدٍ إعلامي لإيصال رسالة سياسية للجمهور، ثم تُقطع الجبايات بحجة صندوق النظافة، وكأن إدارة الموارد والخدمات تُدار بردود الأفعال لا بالقانون والمؤسسات.
والسؤال الذي يفرض نفسه: أين المنجز الذي صنعته الإدارة بنفسها؟
التصوير خلف منجزات الآخرين لا يصنع تنمية، ونسب جهود الآخرين إلى الذات لا يبني محافظة، وتلميع الصورة لا يرمم واقعًا يتهاوى.
المحافظة تحتاج إلى قيادة تتحرك في الميدان، لا إلى قيادة تتحرك أمام الكاميرا.
تحتاج إلى من يحفظ الأمن قبل أن يبحث عن اللقطة، ويصون المال العام قبل أن يبحث عن التصفيق، ويواجه الفساد بدل أن يجمّل صورته، ويجمع القبائل بدل أن يترك نار الخصومات تتسع، ويصنع المشاريع بدل أن يقف أمام مشاريع صنعها الآخرون.
الإدارة ليست فيسبوك.
والقيادة ليست كاميرا.
والإنجاز ليس صورة.
والأمن ليس منشورًا.
لقد سئم الناس من المشاهد المصطنعة، ومن إدارةٍ تُقاس بعدد الصور لا بعدد المنجزات.
ومن أراد أن يحكم الناس فعليه أن يحمل أمانة الحكم، لا أن يحمل هاتفًا يبحث عن زاوية تصوير جديدة.
أبين تستحق أكثر من ذلك بكثير.
تستحق قيادة تعرف معنى المسؤولية، وتضع الأمن والتنمية والخدمات والكرامة فوق الاستعراض الإعلامي.
وإذا عجزت القيادة عن صناعة الفارق، فإن أكرم ما يمكن أن تفعله هو أن تتنحى، وتفسح الطريق لمن يستطيع أن يحمل أمانة أبين بالفعل لا بالصورة.
فالوطن لا يحتاج إلى مزيد من الصور...
الوطن يحتاج إلى رجالٍ يصنعون الواقع الذي يستحق أن تُلتقط له الصور.