ماذا تعني الفنون كلها أمام ثغرك الباسم يا صنعاء؟ وما قيمة الريشة والناي والقلم أمام عينيك الساجيتين، وقامتك النادرة التي لم تنحتها يد فنان، ولم يستطع شاعر أن يستوفي فتنتها وصفًا؟ أهيفٌ أنتِ أم رشيقة؟ أم أن هذه الأسماء جميعها ليست إلا ظلالًا لمعنى واحد تختزلينه في جبينك الساطع، وقوامك السامق، وملامحك التي يختلط فيها سحر المرأة بجلال المدينة، وتتعانق فيها رقة الحبيبة وهيبة التاريخ؟
في جنباتك المترامية تخطر الغيد في مشية وادعة، كأن الأرض نفسها قد تعلّمت منك فن الخطو، وكأن الأرصفة تحفظ إيقاع الحياة على وقع أقدام العابرين. وفي شوارعك يتسع المجال للجميع؛ فهذا سائر إلى رزقه، وذاك قائم على شأنه، وآخر جالس يستريح من عناء النهار، وجماعات تمضي زمرًا إلى أعمالها وحوائجها، فيما تدوي محركات المركبات والحافلات، فتبدو المدينة كأنها قلب هائل لا يهدأ له نبض.
وتطل الشمس من عليائها على هذا المشهد بعين أم حانية، فتبسط خيوطها الذهبية على الوجوه والطرقات، وتمنح المارين دفئها ونورها، كأنها تربت على أكتاف المتعبين وتقول لهم: امضوا، ففي الحياة متسع لمزيد من العمل والعطاء. وحين يشتد وهج النهار، يجيء الغيم بردائه الوارف، فيلقي ظله على البيوت والشوارع، ويمنح المدينة لحظة من الصفاء والاسترخاء، كأن السماء نفسها قد قررت أن ترفق بأهل صنعاء.
أما الجبال من حولك، يا عروس الهضاب، فليست جدرانًا صامتة تحيط بك، وإنما أذرع شامخة تحتضنك في حنان مهيب. نقم وعيبان وعصر، وما بينها من جبال وهضاب، تبدو كأنها حرس قديم أقام حول مدينة أحبها التاريخ فأودعها في أعناق الجبال. تدنو منك الهضاب لا لتضيق عليك، بل لتزيدك رفعة وإطلالة، وتستظهر عمرانك على سفوح المجد، حتى تبدين من بعيد كجوهرة نثرت على صدر الأرض ثم أحاطتها الجبال بسياج من الكبرياء.
صنعاء، أنت بلسم كل ولهان، وملاذ كل قلب أضناه الحنين. في حجارتك شواهد التاريخ، وفي أزقتك أنفاس الأجداد، وفي بيوتك القديمة ذاكرة أجيال تعاقبت ثم تركت على جدرانك شيئًا من أرواحها. وفي بنيانك الحديث تطلعات الغد، فتجمعين في صفحة واحدة أصالة لا تشيخ، وحداثة لا تنكر ماضيها، وكأن الزمن مر بك طويلًا، لكنه عجز أن ينتزع من وجهك نضارته.
فأي قلب يستطيع أن يحمل لك الضغينة، وبين دفتيه سفر من تاريخك، وورقة من ذاكرتك، وشيء من حنانك؟ قد تزحف إليك أحيانًا شوائب العصبية، وأدران الجهالة، وغيوم النكبات، فتحاول أن تخدش وجنتيك الرطبتين، غير أنك سرعان ما تنتفضين من تحت غبارها، وتمسحين عن وجهك ما علق به من نكات السواد، وتعودين مشرقة بهية، كشمس ندية أشرقت بعد عاصفة.
ماذا أقول عنك يا صنعاء، وفي مخيلتي ملاحم من الأدب، ودواوين من الشعر، ودفاتر لا تنتهي من الوصف؟ كلما هممت أن أجمع لك من اللغة أجملها، وجدتها أقل من أن تحتويك؛ وكلما استدعيت من البيان أبلغ ما فيه، شعرت أن صنعاء أكبر من أن تحبسها الكلمات. فاللمعان والبهاء والشروق والأناقة والغنج والارتياح، كلها معانٍ تبدو ناقصة إذا لم تقترن باسمك.
فيك يلتقي القديم بالجديد، والتاريخ بالحياة، والضوء بالظل، والنسيم بالورد. تتدثر الروح بعباءة صنعاء القديمة، ثم تمضي إلى رحاب المدينة الحديثة، فتجد نفسها بين زمنين دون أن تشعر بالغربة عن أي منهما. هنا عبق الأزقة العتيقة، وهناك اتساع الشوارع الحديثة؛ هنا النقوش التي حفظت ذاكرة الأجداد، وهناك البنيان الذي يطل على المستقبل.
ومن باب اليمن إلى سوق الملح، ومن حدة والزبيري إلى وادي ظهر، تمتد أمام العين فسيفساء من المشاهد؛ حركة الناس، وضجيج الأسواق، وهدوء البيوت، وامتداد الجبال، وخضرة الحدائق، وتلك التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها إلا عاشق يعرف أن جمال المدن لا يسكن في معالمها الكبرى وحدها، بل يختبئ كذلك في نبرة بائع، وفي ابتسامة عابر، وفي نافذة قديمة، وفي رائحة قهوة أو نعناع، وفي نسمة تهب فجأة فتوقظ في القلب ذكرى لا يعرف صاحبها من أين جاءت.
ويا لجمال نسيمك حين يمر بين الأزقة كأنه رسول محبة، ويا لرونق شمسك حين تنسكب على الوجوه والطرقات، ويا لظل غيمك حين يهبط على المدينة فيمنحها شيئًا من السكينة. طل الحدائق، وندى فسائل الأشجار، وعبيق الورود، وأريج الرياحين، ونكهة النعناع، كلها تتآلف في رحابك لتصنع من الهواء نفسه قصيدة، ومن الصباح أغنية، ومن المساء موعدًا طويلًا مع الحنين.
وما أجملك حين تتزينين بالمطر؛ إذ تغتسل حجارتك القديمة، وتلمع الأزقة، وتفوح من الأرض رائحة التراب المبلل، فتعود المدينة كأنها ولدت في تلك اللحظة من رحم الغيم. عندها لا يعود المطر ماءً نازلًا من السماء، وإنما يصبح ذاكرة تهبط على المدينة، وتعيد إلى الروح شيئًا من طفولتها الأولى.
يا صنعاء، إن فيك من كبرياء الجبل، ومن حنان الأم، ومن رقة الحبيبة، ومن صمت الحكيم، ما يجعل وصفك امتحانًا عسيرًا للغة. أنت مدينة لا تكتفي بأن تُرى، بل تُحس؛ ولا تكتفي بأن تُزار، بل تُسكن؛ ولا تكتفي بأن تُحب، بل تتسلل إلى القلب حتى تصبح جزءًا من ذاكرته.
ولذلك ينجذب إليك عشاق الفن، ومحبو البيان، وأصحاب الحرف، وقادة المعنى؛ لأن من عاش في رحابك أدرك أن الجمال ليس منظرًا عابرًا، وإنما حالة تسري في الروح. فيك تتدثر النفس بالسكينة، وتستعيد شيئًا من عافيتها، ويجد المتعبون فسحة للتنفس، ويجد الشعراء مادة لا تنفد، ويجد العاشق ذريعة جديدة ليقول: ما أجمل أن تكون هناك مدينة تشبه القصيدة، وما أجمل أن تكون القصيدة اسمها صنعاء.
ماذا أحكي عنك أكثر، وقد خانتني المصطلحات، وضاقت بي العبارة، وتراجعت اللغة أمام سعة الجمال؟ أأقول إنك بهاء؟ أم أقول إنك فتنة؟ أم أقول إنك ترياق للحنين، وموطن للهيام، ومرفأ للعاشقين؟ كل ذلك صحيح، لكنه لا يكفي.
سلام عليك يا صنعاء؛ يا زهرةً نبتت في صخر التاريخ ولم تذبل، ويا قصيدةً كلما ظن الشاعر أنه بلغ آخر أبياتها اكتشف أن للقصيدة بقية. سلام على جبالك التي تحرسك، وعلى أزقتك التي تحفظ خطى العابرين، وعلى بيوتك التي تختزن أنفاس من رحلوا، وعلى شوارعك التي لا تزال تضج بالحياة.
سلام عليك يا صنعاء؛ مدينةً وامرأةً وقصيدةً وذاكرة.
فأنتِ لستِ مكانًا نسكنه فحسب، بل حكايةٌ تسكننا؛ وكلما انتهى الكلام عنك، ابتدأ الشعر.