آخر تحديث :الأحد-23 أغسطس 2026-12:51ص

لماذا يرفع اليمنيون علم الجمهورية في مواجهة الحوثي؟

السبت - 22 أغسطس 2026 - الساعة 07:45 م
خالد عليان


لماذا يرفع الجندي في الشرعية علم الجمهورية فوق عربته ومدرعته وفي موقعه المتقدم وهو يقاتل في الجهة الأخرى يمنياً مثله ؟

لأن المسافة بين الطرفين لم تعد مسافة خندقين إنها مسافة مشروعين.

في جبهة الحوثي : حضرت راية الجماعة وشعارها العقائدي الوافد من الثورة الخمينية : الموت واللعنة والصرخة. وحضرت الرايات الخضراء وصور رموز إيرانية وقادة ينتمون إلى فضاء سياسي وعقائدي يتجاوز اليمن.

وفي الجبهة المقابلة يحضر علم الجمهورية.

وهنا تكمن الحكاية كلها.

فالجيش حين يرفع العلم يقول: هذه هي الدولة التي نقاتل من أجلها.

إنه العلم الذي خرج من ذاكرة سبتمبر ، من لحظة تاريخية قرر فيها اليمني أن يغادر زمن الإمامة إلى زمن الجمهورية.

وهو العلم الذي يحمل في ذاكرته أكتوبر والاستقلال ، ثم الدولة اليمنية الواحدة.

وهو ذاته الذي يرفرف اليوم فوق سفارات اليمن وبعثاتها ، وفي الأمم المتحدة والمحافل الدولية وتتعرف من خلاله دول العالم على بلد اسمه الجمهورية اليمنية.

ولهذا فالمواجهة بين العلم والراية الحوثية ليست تفصيلاً بصرياً في الحرب ، وإنما اختصار بالغ الدقة للخلاف السياسي كله.

الجمهورية تقول : إن اليمني مواطن.

وفكرة الولاية تقول : إن في المجتمع من يمتلك حقاً متقدماً في الحكم بسبب النسب والسلالة.

الجمهورية تقول : إن السلطة شأن عام ، وإن شرعيتها تأتي من الدستور والمؤسسات والإرادة السياسية لليمنيين.

أما المشروع الحوثي : فيضع فوق هذه المفاهيم جميعاً تصوره الخاص للولاية والاصطفاء والحق الالهي في القيادة.

وهنا تحديداً نفهم لماذا يظل 26 سبتمبر عقدة سياسية وفكرية في العلاقة بين الحوثيين والجمهورية.

فسبتمبر لم يغير حاكماً بحاكم ، وإنما أسقط فلسفة سياسية كاملة : أن يولد أحدهم وفي يده حق الحكم ويولد الآخر وفي عنقه واجب الطاعة.

ولهذا أيضاً لا تكفي رؤية العلم الجمهوري في بعض مناسبات الحوثيين للحكم على موقفهم منه.

فالعلم يمكن أن توظفه الجماعة القائمة عقائديا على منهج ( التقية) في المراسم ، بينما السؤال الحقيقي هو : هل تدخل قيم الجمهورية إلى بنية السلطة لدى الجماعة وفكرها المستورد؟

هل توجد مواطنة متساوية ؟

هل يوجد تداول للسلطة ؟

هل توجد تعددية سياسية حقيقية؟

هل يحتكم الحاكم والمحكوم إلى دستور واحد؟

وهل يستطيع اليمني أن يقول (لا) للحاكم دون أن يصبح خصماً للدين أو الجماعة أو السلالة؟

هنا يختبر الإيمان بالجمهورية ، لا في عدد الأعلام المعلقة على المنصات.

وللعلم الجمهوري اليوم قصة أكثر تعقيداً .

فهو لا يواجه تحدياً في مناطق الحوثيين وحدها لقد تعرض خلال سنوات الحرب لاختبارات قاسية في مناطق أخرى ، شمالاً وجنوباً.

ولذلك فإن الدفاع عنه لا ينبغي أن يتحول إلى شعار حزبي أو مناطقي لأن قيمته الحقيقية أنه آخر الرموز السيادية القادرة على الوقوف فوق انقسامات اليمنيين لا تحتها.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الدلالة السياسية للحديث الذي اشتهر عن الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي بشأن رفع علم الجمهورية في جبال "مران" .

لماذا العلم تحديداً؟

لأن وصول الدولة إلى "مران" يمكن أن يكون عسكرياً ، أما وصول العلم إليها فمعناه

أن تصل الجمهورية إلى المكان الذي خرج منه المشروع السلالي المناقض لفكرتها.

وهذه الرمزية تفسر مشهداً آخر شديد الدلالة. ففي مناطق خاضعة لسلطة الحوثيين ما يزال شباب يرفعون العلم ويرددون النشيد الوطني في أعراسهم وتخرجهم ومناسباتهم.

قد يبدو الأمر عادياً لكنه في بيئة شديدة الاستقطاب يحمل معنى سياسياً وثقافياً واضحاً معناه : تستطيع السلطة أن تسيطر على المكان وأن تفرض يالقوة الأمر الواقع لكن السيطرة على ذاكرة الناس مسألة أخرى .

ولعل أبلغ ما تختزنه الذاكرة اليمنية تلك العبارة التي يحفظها اليمنيون من نشيدهم الوطني:

« لن ترى الدنيا على أرضي وصياً »

هذا شطر من بيت شعري يختزل التعريف بالجمهورية كلها .

ولهذا عندما يرفع جندي العلم فوق آليته في الجبهة ، فهو لا يواجه بندقية ببندقية فقط.

إنه يضع أمام مشروع الولاية فكرة الدولة ، وأمام السلالة مفهوم المواطنة ، وأمام الراية الخاصة بالحوثية رمزاً عاماً يتسع لكل اليمنيين.

لهذا يرفعون العلم.

و لأن السؤال في نهاية هذه الحرب لن يكون فقط : من انتصر عسكرياً ؟

السؤال الأبقى :

أي يمن سيخرج من تحت الركام هذه الحرب جمهورية المواطنين ، أم ولاية الرعايا ؟