يطل الصباح على الديار، ولا شيء يدخل البيوت إلا الفقر والحرمان، ولا خيار أمام المواطن سوى الحيرة والانتظار؛ ففي بلاد الخير والجمال، بات الغلاء كابوساً يطارد الجميع؛ وما يزيد الطين بلة هو تلك الفجوة الطبقية الهائلة وغير المبررة بين المواطن المنهك وأعضاء الحكومة؛ فبينما يتقاضى المسؤولون والوزراء رواتب خيالية ومكافآت وحوافز بالعملة الصعبة، يُترك الموظف والمواطن البسيط يواجه جحيم الأسواق بفتات رواتب لا تسمن ولا تغني من جوع؛ وتقف السلطة موقف المتفرج بلا مسؤولية، وكأن ما يحدث مجرد حكاية لا تعنيها؛ فبينما يستقر سعر الصرف بصورة نسبية، تقفز أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية إلى أرقام قياسية تجعل أجساد المواطنين خاوية إلا من الوجع.
غير أن هذا التناقض الصارخ بين ثبات العملة الصعبة وجنون الأسعار لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لسلسلة من القرارات الحكومية الصادمة التي أثقلت كاهل التاجر والمستهلك على حد سواء؛ فقد شكل رفع سعر الدولار الجمركي وإلغاء الدعم عنه ضربة قاضية للقدرة الشرائية؛ حيث تحولت المنافذ والموانئ إلى نقاط جباية مضاعفة تُترجم فوراً إلى زيادة مبالغ فيها على أسعار القمح والأرز والزيت، دون أن تراعي الحكومة أن الشعب يقف أساساً على خط الفقر المدقع.
ومع استمرار هذا التعنت الجمركي الذي خنق السلع الأساسية في الموانئ، جاءت أزمة المشتقات النفطية لتكمل ما تبقى من رمق الحياة وتزيد الطين بلة؛ فالزيادات المتتالية والمتصاعدة في أسعار الوقود أدت إلى قفزات خيالية في تكاليف النقل والمواصلات وتشغيل المزارع والمصانع، وهو ما يُحمّله الموردون والتجار بالكامل على عاتق المواطن المنهك الذي بات يرى رغيف الخبز يبتعد عن متناول يده يوماً بعد يوم.
وأمام هذه التكاليف المركبة التي خنقت حركة الأسواق، يُطرح السؤال الأشد مرارة حول دور الجهات الرقابية التي غابت تماماً عن الساحة، وتركت المواطن فريسة جشع بلا حدود؛ إن غياب الرقابة الصارمة على الموردين وتجار الجملة والتجزئة سمح باستغلال الأزمة وتحويل استقرار الصرف إلى مجرد رقم لا أثر له في الواقع، لتتحول الأجهزة التنفيذية إلى مجرد شاهد زور ينظر إلى معاناة الناس بدم بارد وتجاهل تام لتطلعاتهم البسيطة في العيش الكريم.
هكذا تُسدل الستارة كل يوم على وجوه أضناها التعب، وأجساد تهالكت من قلة الحيلة، بينما تظل أبواب السلطة مغلقة وقلوب مسؤوليها متحجرة؛ إن أقل ما يمكن أن تقدمه هذه الحكومة للتكفير عن نكوصها هو الإسراع بصرف بدل (غلاء معيشة) عادل لكافة الموظفين، يحفظ كرامتهم وسد رمق أسرهم، وبنسبة لا تقل عن بدل غلاء المعيشة والمخصصات الضخمة التي تُصرف لسائق الوزير والمقربين من مراكز القرار! ليبدو الأفق مسدوداً بلا أمل إن استمر هذا الصمت القاتل، ويبقى الشعب وحده يقتات على الحسرة، وينام على أحلام صغيرة أجهضها غياب الضمير.