الحمد لله رب العالمين.
من أرض سبأ وحمير، من الأرض التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان يمان والحكمة يمانية، نكتب اليوم. نكتب ونحن نرى وطناً كان قلب الجزيرة النابض يتحول إلى ساحة نزيف. وطناً وحد الجزيرة قبل الإسلام، وحمل الإسلام إلى الدنيا بعد الإسلام، أصبح اليوم ممزقاً يسأل أبناؤه سؤالاً واحداً: متى نعود جسداً واحداً؟
التاريخ لا يكذب. والتاريخ لا ينسى. فاليمن لم يعرف العزة إلا عندما كان موحداً. دولة سبأ التي حكمت من البحر إلى البحر لم تبنها قبيلة. بناها اليمنيون جميعاً. وسد مأرب الذي أطعم الدنيا لم تشيده يد واحدة. شيدته سواعد من الجبل والسهل والساحل. وعندما جاء الإسلام كان اليمنيون أول الملبين. لم ينتظروا فاتحاً. بل أرسلوا يقولون لرسول الله مد يدك نبايعك. فكانوا الأنصار وكانوا الحماة وكانوا العلماء الذين نشروا الإسلام في المشرق والمغرب.
ولكن التاريخ يعلمنا أيضاً درساً قاسياً. أن اليمن لا يسقطه عدو من الخارج إلا إذا اختلف أهله في الداخل. البرتغاليون لم يدخلوا سواحلنا إلا يوم تقاتلت الدويلات. والعثمانيون لم يتمكنوا إلا يوم استنجد يمني بيمني ضد أخيه. والبريطانيون لم يحتلوا عدن إلا يوم غاب المشروع الوطني الجامع. فالثغرة دائماً من الداخل.
اليوم نعيش أسوأ فصول هذا الدرس. دماء تسيل. وملايين مشردة. واقتصاد ينهار. وطفل في تعز لا يجد الدواء، وشاب في الحديدة لا يجد العمل، وأسرة في مأرب لا تجد البيت. وكل هذا لم يأت من فراغ. أتى يوم قدمنا الحزب على الوطن، والمنطقة على المواطنة، والمذهب على الأخوة. أتى يوم صدقنا أن عدونا هو أخونا، ونسينا أن العدو الحقي هو من يريدنا ضعفاء متفرقين.
لكن هل ضاعت الأمة؟ لا والله. فاليمن يمتلك من مقومات الوحدة ما لا تملكه أمة. دين واحد. لغة واحدة. تاريخ واحد. وجع واحد. وأعراف قبلية صانت الدماء لقرون. وعلماء كانوا دائماً خط الدفاع الأخير. فعندما سقطت الدولة قام العالم، وعندما اشتعلت الفتنة أطفأها العالم.
الحل إذاً واضح. ليس سراً ولا معادلة معقدة. الحل يبدأ بثلاث كلمات لا مساومة عليها. المواطنة المتساوية. فاليمني في المهرة كاليمني في صعدة. الحقوق واحدة والواجبات واحدة. الشراكة ونبذ الإقصاء. فاليمن يتسع للجميع. من أقصيته اليوم سيحمل السلاح غداً. والاحتكام للدستور والعرف. فالقانون يحكم، والشيخ يصلح، ويكتمل البنيان.
وبعد المبادئ تأتي البرامج. نحتاج ميثاقاً وطنياً جامعاً يوقعه العلماء والمشايخ والشباب والمرأة. ميثاق يحرم الدم اليمني ويحرم الاستقواء بالخارج ويلزم الجميع بالحوار. نحتاج إعلاماً وطنياً يبني لا يهدم. مجلس أعلى للإعلام يجرم التخوين والتكفير ويبرز قصص الوحدة. نحتاج مصالحة مجتمعية حقيقية. لجان في كل محافظة تحل الثارات وتعوض المتضررين وتعيد النازحين إلى بيوتهم بكرامة. وأهم من كل هذا نحتاج أن نطعم الشاب. الفقر عدو الوحدة. الشاب الجائع العاطل قنبلة موقوتة. فإذا أطلقنا مشاريع في الزراعة والسمك والصناعة ووجد الشاب عملاً براتب محترم، فلن يفكر أن يبيع وطنه بألف ريال.
من يقود كل هذا؟ العلماء. نعم العلماء. تشكل هيئة علماء اليمن تكون المرجعية العليا. تتحرك عند كل أزمة. تراقب تنفيذ الميثاق. تصدر الفتاوى الجامعة. تذكر الناس أن الدم حرام وأن الوطن أمانة.
وكيف نعرف أننا نجحنا؟ بالأرقام. بعدد الثارات التي انتهت. بنسبة النازحين الذين عادوا. بمستوى الخطاب الإعلامي. بنسبة التوظيف. فالأوطان لا تبنى بالشعارات.
أيها اليمنيون. إن التاريخ يسألنا اليوم. هل ستكونون كما كنتم؟ هل ستعودون الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى؟
تذكروا أنكم لستم قطعة أرض. أنتم فكرة. أنتم حضارة. أنتم الرسالة التي صدرها أجدادكم للدنيا. والأمم العظيمة لا تولد إلا من رحم الألم.
اللهم اجمع كلمة اليمنيين على الحق. اللهم ألف بين قلوبهم. اللهم احقن دماءهم. اللهم من أراد باليمن خيراً فوفقه، ومن أراد باليمن شراً فاجعل كيده في نحره.
فاليمن باق. والوحدة قدرنا. والتاريخ لن يرحم المتخاذلين.
بقلم ✍🏻 أحمد سعيد العمودي
باحث أكاديمي في التاريخ والدراسات الاستراتيجية
عدن 22 أغسطس 2026م