في بعض البيوت، حين يعود الأب متعباً من يومه، تجلس ابنته الصغيرة إلى جواره، وتبدأ في الحديث عن دروسها، وألعابها، وقلمٍ أضاعته في المدرسة...
وربما يكون في رأسه ألف شيء آخر؛ عمل، وفاتورة، وهمّ، وشيء لم يكتمل.
لكنه يضع ما في يده، وينظر إليها، ويقول:
"كمّلي... أنا أسمعك."
جملة صغيرة، لكنها تمنح الإنسان شيئاً كبيراً: أن يشعر بأن صوته مهم.
ولعل اليمن اليوم يحتاج إلى هذه الجملة أكثر مما نتصور.
ليس لأن اليمنيين لا يتحدثون، بل لأنهم يتحدثون كثيرًا، ولا يسمع بعضهم بعضًا بما يكفي.
حين تختلف جماعتان، يبدأ كل طرف في شرح نفسه للآخر، بينما لا يكاد أحد يتوقف ليسمعه. وحين تتعقد المشكلة، نزيد البيانات والاجتماعات، ثم نستغرب لماذا لم تتغير النتيجة.
ربما لأننا أحيانًا نعامل السياسة كأنها مسابقة في الكلام، بينما هي في جوهرها قدرة على الاستماع، والفهم، ثم اتخاذ القرار.
والاستماع ليس موافقة، ولا يعني التنازل عن الموقف، ولا أن يكون الآخر محقًا في كل ما يقول.
أن تسمع المختلف معك يعني أن تمنحه حقاً إنسانياً بسيطاً:
أن يقول ما عنده قبل أن نحكم عليه.
وهنا تبدأ السياسة التي تستحق أن تُسمّى سياسة.
السياسة التي لا ترى المواطن رقماً في إحصائية، بل تراه إنساناً: له بيت ينتظر راتبه، وأم تخاف على ابنها، وشاب يبحث عن عمل، وطالب يريد جامعة أفضل، ومريض ينتظر علاجاً.
هذه التفاصيل الصغيرة هي، في النهاية، الوطن نفسه.
ولذلك، فإن صانع القرار لا يحتاج دائماً إلى مزيد من التقارير حتى يعرف أن الناس متعبون.
أحياناً يحتاج إلى أن يسمعهم فقط، وأن يسأل المواطن الذي لا يملك منصبًا ولا مكبر صوت:
ماذا يؤلمك؟
ثم يسأل السؤال الأصعب:
ماذا نستطيع أن نفعل؟
فالقرار الذي يبدأ من الإنصات يكون أقرب إلى الواقع، والإدارة التي تسمع المجتمع تستطيع أن ترى المشكلة قبل أن تتحول إلى أزمة.
وهذا لا يخص الحكومة وحدها؛ بل هو مسؤولية الحزب والمكوّن، والسلطة المحلية، والنخب والمعارضة، والإعلام:
أن يسمعوا المجتمع، لا أن يتحدثوا باسمه فقط.
فاليمن لا يحتاج إلى مجتمع متفق على كل شيء؛ فهذا غير ممكن.
يحتاج إلى مجتمع يستطيع أن يختلف دون أن يكسر بعضه بعضًا، وإلى مؤسسات تستوعب الاختلاف دون أن تعتبره تهديداً وإلى مسؤول يعرف أن النقد ليس دائمًا خصومة وأن الملاحظة الصادقة قد تكون أحياناً أثمن من عبارات المديح.
كم من قرار كان يمكن أن يكون أفضل لو أن أحدًا سأل الناس قبل اتخاذه؟
وكم من أزمة كان يمكن أن تصغر لو أن أحدًا أصغى إليها وهي ما تزال شكوى صغيرة؟
وكم من جسر كان يمكن أن يُبنى لو أن طرفًا قال للآخر:
"دعني أفهمك أولاً."
ربما نحتاج في اليمن إلى أن نخفف قليلًا من رغبتنا في إثبات أننا على حق، ونزيد رغبتنا في معرفة ما الذي يمكن أن يجعل الوطن أكثر راحة و أمانًا وإنصافًا للجميع.
فليس مطلوبًا أن يخرج الجميع من كل حوار وهم متفقون.
يكفي أن يخرجوا وهم أكثر فهمًا لبعضهم.
ومن الفهم تبدأ الثقة، ومن الثقة يبدأ التعاون، ومن التعاون تولد الحلول.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقوله مسؤول لمواطنه، أو سياسي لمختلف معه، أو يمني لأخيه اليمني، ليس:
"أنا أعرف أكثر منك."
بل:
"قل ما عندك... أنا أسمعك. ولنسمع بعضنا، لنعرف معًا ما يصلح لنا."
فقد لا نملك القدرة على حل كل مشكلات اليمن دفعة واحدة، لكننا نملك أن نبدأ بشيء بسيط:
أن نشعر الإنسان بأن صوته لم يذهب إلى الفراغ.
وربما لا يبدأ الحل دائمًا من قرار كبير؛ ربما يبدأ من أذنٍ تصغي، وقلبٍ يفهم، وعقلٍ لا يتعجل الحكم.
فاليمن لا يحتاج إلى أن نتحدث أكثر عن بعضنا... بل أن نسمع بعضنا أكثر.
وحين يجد الإنسان من يصغي إليه،
يصبح الحوار ممكنًا،
ويصبح الاختلاف أقل قسوة،
ويصبح المستقبل أقرب.