بعد ساعات نودع من العاصمة المصرية القاهرة جثمان فقيد الوطن والقوات المسلحة، القائد العسكري العصامي العميد بالليل خضر صالح السعيدي، ومن المقرر وصوله مع إشراقة صباح يوم غدٍ السبت، الخامسة والنصف، إلى مطار عدن الدولي، برفقة ولده وابن شقيقته مختار حسين سعيد راجح السعيدي.
وظهر يوم أمس الخميس تلقيت اتصالًا من الولد منصور محمد منصور مقراط، عرابه، من مدينة زايد، المستشفى الذي يرقد فيه الفقيد، يخبرني عن وفاته، فداهمني الحزن الشديد وانهمرت الدموع. كنت حينها في شقتي قبل أن يأتي الأخ العزيز والصديق صالح ناجي زين بن عطاف.
فهذا الرجل الذي اختطفه الموت بسرعة تبكيه الحجر والشجر وكل من عرفه ولو سريعًا، فكيف بي، الذي عرفته منذ صغري وشعرت أنه قريبًا مني، وبالفعل تربطنا علاقات اجتماعية متأصلة. ليس هذا فحسب، بل يكاد ينفرد عن غيره من الضباط والقادة والناس الذين يفرض عليك حبه واحترامه والاعتزاز به، فلا تجده إلا مبتسمًا ودودًا طيبًا، صاحب أخلاق وبراءة وصدق. ولهذا يستحق أن يوضع عليه عنوان محترم، ومحترم حقيقي، ليس الاعتراف بعد موته، بل منحه الله عزة نفس وزهدًا وصبرًا على هذه الدنيا وعلى هذه البلد التي فداها بسنين عمره وفلذة كبده، وأخذت منه كل شيء، وغادر الحياة دون أن يخلف مالًا أو حتى منزلًا لأولاده، غير رصيد وطني وأخلاقي وإنساني جميل.
فقيدنا العميد بالليل خضر صالح السعيدي، القائد العسكري الكبير، الذي يشعرك أنه بسيط ومنك وإليك، رجل فارق التاريخ والنضال والتضحية والعطاء الذي قدمه، لكنه نال الليل، وحوّل سواد الليل إلى نهار.
بالله راجعوا مسيرة حياة الرجل، الرجل، وستتذكرون مصداقية ما أقول، ليس من قبيل الرثاء وتذكروا حسنات موتاكم، بل الحقيقة في الفقيد، أبا الشهيد، بل أعتبره شهيدًا؛ لأنه أصيب بالمرض وهو فوق الواجب في جبهة القتال، ولم يكن في منزله أو بحادث عارض.
تحمل المغفور له القائد بالليل خضر صالح ما لم يتحمله أي قائد آخر، ترك كفاءاته وخبراته ومؤهلاته، وعمل بعيدًا عن أضواء الإعلام، يصول ويجول في الجبهات والجبال والوديان، والبحث عن المعلومات. كان أركان الاستطلاع والمخابرات، محور يافع وصمام الأمان.
واليوم نفتقد هذا الركن العظيم، وسيشعر الآخرون بالفراق الذي يتركه.
وداعًا أيها الرجل المحترم، العصامي، الصبور. وسلام عليك يوم ولدت، ويوم ترجلت عن هذه الدنيا الفانية إلى دار البقاء الأبدي.
سلام عليك يوم تبعث حيًا.