المزارع الذي قضى عمره بين الحقول، يترك محراثه وساقيته، ويغادر أرضًا أحبها وعاش فيها عمرًا طويلًا.
هكذا بدأت بعض المناطق الزراعيه تفقد شيئًا من روحها الزراعية، ليس لأن الأرض لم تعد قادرة على العطاء، وإنما لأن الظروف التي أحاطت بالمزارع جعلت البقاء فيها أكثر صعوبة من الرحيل عنها.
فعلى سبيل المثال كانت دلتا أبين لعقود طويلة، واحدة من أهم المناطق الزراعية في اليمن. كانت الحقول تعج بالمزارعين، والسواقي بالمياه، والبيوت قريبة من المزارع، وكانت الأرض مصدر الرزق والحياة والاستقرار . والمحاصيل المزروعة اشكال والوان . كان المزارع يعرف أرضه كما يعرف كف يده، ويعرف مواسمها، وبذورها، ومواعيد ريها، ويقرأ إشارات السماء والرياح والنجوم.
لكن شيئًا فشيئًا تغير المشهد.
فقد دفعت شحّة المياه وتراجع الموارد المائية وارتفاع تكاليف الزراعة كثيرًا من المزارعين إلى تقليص مساحات الزراعة أو تركهااو بيعها وتحويلها إلى كتل اسمنتية . كما أثرت تكاليف الوقود والطاقة ومستلزمات الإنتاج، وضعف العائد الاقتصادي، وارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات والبذور، في قدرة المزارع على الاستمرار.
ثم جاءت عوامل أخرى أكثر قسوة من تدهور البنية التحتية الزراعية، وتضررت قنوات الري والمنشآت المائية، وضعف الخدمات الزراعية والإرشاد الزراعي، وتراجع الدعم المقدم للمزارعين، إضافة إلى الظروف الاقتصادية والأمنية التي مرت بها المحافظة خلال سنوات طويلة.
ومع كل ذلك، أصبح كثير من أبناء الريف يبحثون عن مصدر دخل آخر، فغادر بعضهم قريته إلى المدن، واتجه آخرون إلى أعمال ومهن بعيدة عن الزراعة، بينما اختار بعض الشباب الهجرة بحثًا عن حياة أفضل.
وهنا لا تكون الخسارة مجرد هجرة إنسان من مكان إلى آخر، بل هجرة معرفة كاملة من الأرض.
فالمزارع الكبير عندما يغادر أو يرحل عن الدنيا، لا يترك خلفه أرضًا فقط، بل يترك وراءه خبرة تراكمت عبر عشرات السنين يعرف متى يحرث، ومتى يزرع، وكيف يختار البذور، وكيف يحافظ عليها للموسم القادم، وكيف يتعامل مع التربة والمياه، وكيف يقرأ تغيرات الطقس والرياح والسحب.
كانت تلك المعرفة تنتقل من الأب إلى الابن، ومن الجد إلى الحفيد، في مدرسة مفتوحة اسمها الحقل.
لكن هذه المدرسة بدأت تفقد طلابها.
والأخطر من ذلك أن كثيرًا من تلك المعارف لم تُكتب ولم تُسجل، ولذلك فإن رحيل أصحابها يعني في كثير من الأحيان رحيلها معهم.
إن هجرة المزارعين من أرضهم ليست قضية اقتصادية فقط، بل قضية اجتماعية وثقافية وبيئية. فعندما يترك المزارع أرضه، قد تتوقف زراعتها، وتختفي معها خبرات محلية، وتضعف العلاقات التي كانت تجمع أهل القرية حول الساقية والحقل وموسم الزراعة.
وتصبح الأرض التي كانت بالأمس تعج بالحياة، اليوم أكثر صمتًا.
ومع ذلك، لا ينبغي أن ننظر إلى المزارع الذي ترك أرضه باعتباره تخلى عنها بإرادته. فكثيرون لم يتركوا الأرض حبًا في الرحيل، وإنما أجبرتهم الظروف على البحث عن بديل يضمن لهم ولأسرهم حياة كريمة.
المزارع لا يهجر أرضه بسهولة... فالأرض بالنسبة إليه ليست مجرد مصدر دخل، إنها ذاكرة عمر وذكريات وطن
ولهذا فإن معالجة ظاهرة هجرة المزارعين تبدأ بإعادة الاعتبار للزراعة نفسها، وتحسين عائدها الاقتصادي، وحماية مصادر المياه، وإعادة تأهيل منشآت الري، وتوفير الخدمات والإرشاد الزراعي، وتشجيع الشباب على البقاء في الريف، وتحويل الزراعة من مهنة شاقة قليلة العائد إلى قطاع اقتصادي قادر على توفير حياة كريمة.
وإذا كانت العصافير تهجر أوكارها حين تجد أن المكان لم يعد آمنًا أو قادرًا على إطعامها، فإن المزارع لا يهجر أرضه إلا عندما تصبح ظروف البقاء فيها أقسى من قدرته على الاحتمال.
لذلك، قبل أن نسأل..
لماذا هاجر المزارعون؟
علينا أن نسأل أولًا..
ماذا فعلنا حتى تبقى الأرض قادرة على احتضانهم؟
فإنقاذ المزارع يعني إنقاذ الأرض،
وإنقاذ الأرض يعني إنقاذ ذاكرة المجتمع،
وحماية ذاكرة المجتمع تعني حماية جزء من هويتنا ومستقبلنا الزراعي.
فلا تجعلوا دلتا أبين تصل إلى يومٍ تصبح فيه الأرض بلا مزارعين، والذاكرة بلا رواة، والحقول بلا أغنيات.
م. استشاري . عبدالقادر السميطي
عضو الجمعية الوطنية للبحث العلمي والتنمية المستدامة