تناولتُ في الجزء الأول من هذا المقال عددًا من الملاحظات والتساؤلات حول طريقة تشكيل المجلس التنسيقي الأعلى بحضرموت، وآلية تشكيل لجنته التحضيرية، ومعايير اختيار أعضائها، ومدى انسجام ذلك مع الأسس التي قامت عليها الدعوة إلى الحوار الجنوبي.
كما تطرقتُ إلى المكونات والشخصيات الجنوبية التي تقدمت بالدعوة إلى عقد الحوار، ومن بينها عدد من المكونات الحضرمية، وتساءلتُ عن مدى حضور هذه المكونات في المجلس التنسيقي ولجنته التحضيرية، خصوصًا أنها كانت من بين المكونات التي دعت أصلًا إلى هذا الحوار.
وتوقفتُ كذلك عند مسألة تمثيل حضرموت، وأهمية أن تدخل هذا الاستحقاق السياسي برؤية حضرمية واضحة، لا بتمثيل مشتت أو رؤى متعددة، خصوصًا إذا كان الهدف هو أن يكون لحضرموت حضور سياسي فاعل، وأن تطرح قضيتها ومطالبها على طاولة الحوار.
وفي هذا الجزء، أواصل الحديث من النقطة التي انتهيت إليها، ولكن من زاوية أخرى، تتعلق بما نريده نحن الحضارم من هذا الحوار، وكيف ينبغي أن تدخل حضرموت إليه، وما الذي يفترض أن تكون عليه رؤيتها ومطالبها، ومن يمثلها، وكيف يمكن أن نحافظ على حضورها وخصوصيتها السياسية بعيدًا عن التجاذبات والاستقطابات.
ماذا نريد نحن الحضارم من الحوار؟
هذا هو السؤال الأهم الذي يجب أن نجيب عنه قبل أن نتحدث عمّن سيمثل حضرموت، أو من سيكون في اللجنة التحضيرية، أو من سيشارك في أي اجتماع.
فحضرموت لا ينبغي أن تدخل هذا الحوار لمجرد تسجيل حضور، أو من أجل أن يكون لها عدد من المقاعد بين بقية المكونات أو المحافظات الجنوبية، وإنما يجب أن تدخل وهي تحمل رؤية واضحة، ومطالب محددة، وأهدافًا سياسية يعرفها الجميع.
وهنا، لا يمكن أن نتجاهل أن مؤتمر حضرموت الجامع لديه رؤية واضحة منذ 22 أبريل 2017م، صادق عليها ثلاثة آلاف وواحد عضو، كانوا يمثلون طيفًا حضرميًا جامعًا من مختلف القوى والمكونات والأحزاب والشخصيات الاجتماعية والسياسية والنقابية وغيرها، وقد استغرقت عملية إعداد مخرجات المؤتمر نحو عام كامل.
واليوم، لا نمانع في تطوير تلك المخرجات، أو مراجعتها وإغنائها، أو إضافة ما يستجد من قضايا ورؤى، وجمع من لم يكن حاضرًا عند إعدادها، شريطة أن يكون من أهم أهداف رؤيتنا الحضرمية أن تكون حضرموت طرفًا ثالثًا في المعادلة اليمنية، لا تابعًا للجنوب ولا للشمال.
فنحن عندما نتحدث عن مشاركة حضرموت، لا نتحدث عن مشاركة أفراد حضارم فقط، وإنما نتحدث عن قضية حضرمية لها خصوصيتها، وعن مكونات وشخصيات وقوى اجتماعية وسياسية حضرمية لها مواقفها ورؤاها، ومن حقها أن تكون جزءًا من تحديد شكل ومضمون المشاركة الحضرمية.
وهنا يجب أن نفرق بين أمرين:
أن يكون هناك حضارم مشاركون في الحوار، وأن تكون هناك رؤية حضرمية يمثلها المشاركون.
فالفرق كبير بين الأمرين.
قد يكون في أي حوار عدد كبير من أبناء حضرموت، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن حضرموت ممثلة، ما لم تكن هناك رؤية واضحة ومتفق عليها لما تريده حضرموت، وما الذي ستطرحه، وما هي القضايا التي لا يمكن تجاوزها أو التنازل عنها.
ومن هنا، أعتقد أن الخطوة الأولى التي كان يجب أن تسبق تشكيل أي إطار يمثل حضرموت هي الجلوس بين المكونات الحضرمية نفسها، والاتفاق على الحد الأدنى من الرؤية والمطالب، ثم تحديد آلية واضحة وشفافة للتمثيل.
لا أن يتم البدء باختيار الأشخاص، ثم البحث لاحقًا عن الرؤية التي سيحملونها.
حضرموت.. جنوب أم طرف ثالث؟
وهنا نصل إلى النقطة الأهم.
نحن الحضارم، عندما نتحدث عن حضورنا في الحوار الجنوبي، يجب أن نكون واضحين مع أنفسنا أولًا: ماذا نريد من هذا الحوار؟
هل نريد أن ندخل باعتبار حضرموت واحدة من محافظات الجنوب، ونكتفي بطرح مطالبها ضمن الرؤية الجنوبية العامة؟
أم نريد أن ندخل برؤية تقول إن لحضرموت خصوصية سياسية وتاريخية واجتماعية واقتصادية، وأنها يجب أن تكون طرفًا ثالثًا في أي معادلة سياسية قادمة في اليمن؟
أنا شخصيًا أرى أن هذه المسألة يجب ألا تكون محل غموض أو اجتهادات شخصية.
فإذا كانت هناك مكونات حضرمية قد وقعت على الدعوة إلى الحوار، وتحدثت عن أبعاد القضية التاريخية والسياسية والاجتماعية، فإن من الطبيعي أن يكون لحضرموت تصور واضح لما تريد الوصول إليه من هذا الحوار.
وهنا يأتي الحديث عن الحكم الذاتي لحضرموت.
فإذا كان هذا أحد الأهداف التي تنادي بها مكونات حضرمية، فيجب أن يكون واضحًا: ماذا نعني بالحكم الذاتي؟ وما هي صورته؟ وما هي صلاحياته؟ وكيف ستكون علاقة حضرموت بالدولة اليمنية؟ وما الذي نريده من أي تسوية سياسية قادمة؟
وهنا أيضًا، لدينا فريق متكامل أُعدّ لهذا الغرض قبل نحو عام، بتكليف من الشيخ عمرو بن حبريش العليي، رئيس حلف قبائل حضرموت ورئيس مؤتمر حضرموت الجامع. وعلينا أن نستعين بهذه الرؤية، ونناقشها ونغنيها ونطورها إذا كان فيها أي قصور، بدل أن نبدأ من الصفر وكأن حضرموت لم تسبق لها مناقشة هذه القضايا.
فلا يكفي أن نرفع شعارًا سياسيًا، بل يجب أن تكون لدينا رؤية واضحة ومتكاملة نستطيع أن نضعها على طاولة الحوار ونناقشها مع الآخرين.
ومن يمثل حضرموت؟
وهنا يعود السؤال الذي طرحناه في الجزء الأول، ولكن بصورة أكثر أهمية:
إذا كان المجلس التنسيقي الأعلى بحضرموت هو الذي سيحمل مطالب حضرموت ورؤيتها السياسية في الحوار الجنوبي، فمن الذي منحه هذا التفويض؟
هل اتفقت عليه المكونات الحضرمية؟
هل جرى التوافق على الرؤية التي سيحملها؟
هل اتفقت هذه المكونات على الأشخاص الذين سيمثلونها؟
وهل هناك وثيقة واضحة تحدد أهداف المجلس ومهامه وحدود تمثيله؟
هذه ليست أسئلة تعجيزية، ولا هي محاولة لإفشال أحد، وإنما أسئلة طبيعية يفترض أن تُطرح عندما نتحدث عن قضية بحجم حضرموت، وعن استحقاق سياسي قد تكون له آثار على مستقبلها.
لأننا لا نريد أن نصل إلى الحوار، ثم نكتشف أن هناك أكثر من رؤية حضرمية، وأكثر من طرف يتحدث باسم حضرموت، وأكثر من جهة تدّعي تمثيلها.
نريد أن ندخل متحدين
وهذا لا يعني أن نتفق على كل شيء، فهذا أمر قد يكون صعبًا، ولكن على الأقل نتفق على الحد الأدنى الذي يجمعنا.
نتفق على أن لحضرموت خصوصيتها.
نتفق على أن لها قضية ومطالب يجب أن تُطرح.
نتفق على أن أبناء حضرموت ومكوناتها يجب أن يكون لهم دور حقيقي في تحديد من يمثلهم.
ونتفق على أن أي تمثيل لحضرموت يجب أن يستند إلى توافق واضح، وليس إلى الاستقطاب أو الاختيار الفردي.
وهنا، أرى أن من الضروري أن تكون هناك خطوة عملية لتصحيح المسار، وهي عودة الشيخ عمرو بن حبريش العليي إلى حضرموت، باعتباره رئيس حلف قبائل حضرموت ورئيس مؤتمر حضرموت الجامع، وهما من أبرز المكونات الحضرمية التي كانت في مقدمة المطالبين بهذا الحوار، من أجل قيادة واستكمال التحضيرات، ودعوة كل من تبقى من المكونات والشخصيات والقوى الحضرمية للمشاركة في المجلس التنسيقي الأعلى.
فلا يعقل أن نمضي في تشكيل إطار يُفترض أنه يمثل حضرموت، وهناك قوى ومكونات وشخصيات حضرمية لم تشارك فيه حتى الآن، وهي أصلًا من طالبت بهذا الحوار.
والأولى أن تُفتح الأبواب أمام الجميع، وأن تتم دعوة من تبقى للمشاركة، والاستماع إلى ملاحظاتهم، والاتفاق معهم على الأسس والمعايير، حتى نصل إلى مجلس تنسيقي أعلى يحظى بأوسع قدر ممكن من التوافق الحضرمي.
وأعتقد أن التصحيح الأساسي الذي نحتاجه هو أن تقود المكونات الحضرمية الموقعة على البيان الداعي إلى الحوار الجنوبي عملية التحضير لهذا المجلس، باعتبارها المكونات التي كانت جزءًا من الدعوة الأصلية، مع فتح الباب أمام بقية القوى والمكونات والشخصيات الحضرمية.
فالهدف يجب أن يكون تأسيس مجلس تنسيقي أعلى، لا التحضير لتشكيل مكون حضرمي سياسي جديد تحتضنه السلطة المحلية في حضرموت أو الأحزاب اليمنية.
وهنا يجب أن نكون صريحين.
الأحزاب والقوى اليمنية التي كان لها حضور في المشهد السياسي خلال السنوات الماضية لم تقدم حتى الآن رؤية استطاعت أن تحل القضية الجنوبية أو القضية الحضرمية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل عام 2014م وما آلت إليه الأوضاع بعد ذلك، وصولًا إلى اندلاع الحرب وانقلاب مليشيا الحوثي، تقدم لنا درسًا واضحًا بأن إعادة إنتاج الأدوات والرؤى نفسها لن تقود بالضرورة إلى نتائج مختلفة.
ولذلك، فإننا لا نريد أن نكرر التجربة نفسها في حضرموت.
نريد مجلسًا تنسيقيًا مستقلًا في مهمته، يجمع المكونات الحضرمية، وينسق بينها، ويعمل على صياغة رؤية حضرمية، لا مكونًا جديدًا يُضاف إلى قائمة المكونات، ثم يدخل في منافسة معها على من يمثل حضرموت.
فالمطلوب ليس الإقصاء.. وإنما التوسيع
إذا استطعنا أن نحقق ذلك، سنذهب إلى الحوار ونحن أقوياء، لأننا نحمل رؤية واضحة، وليس مجرد أسماء ومقاعد.
أما إذا ذهبنا متفرقين، وتحدث كل طرف باسم حضرموت، فسيكون من السهل تجاوز قضيتنا أو اختزالها في مطالب جزئية، بينما نحن نتحدث عن مستقبل حضرموت ومكانتها السياسية.
ولهذا، فإن ما نطالب به اليوم ليس تعطيلًا للحوار، ولا رفضًا للمجلس التنسيقي الأعلى، وإنما تصحيح للمسار قبل أن يصبح الأمر واقعًا يصعب تغييره.
فالوقت ما زال متاحًا لإعادة النظر، والجلوس معًا، والاستماع إلى الملاحظات، وتوسيع دائرة المشاركة، ووضع معايير واضحة للتمثيل، والاتفاق على رؤية حضرمية تليق بحجم حضرموت ومكانتها.
وأكرر هنا: لا مانع من تطوير الرؤية والمخرجات السابقة، ولا مانع من الاستفادة من كل الأفكار الجديدة، ولا مانع من إشراك من لم يكن حاضرًا في المراحل السابقة.
المهم أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون، لا من الصفر.
وأن نجمع كل ما لدى الحضارم من رؤى ومقترحات وتجارب، ثم نخرج بوثيقة حضرمية حديثة، تستوعب الجميع، وتعبّر عن تطلعات حضرموت، وتكون أساسًا لموقفها في أي حوار قادم.
لأن القضية في النهاية ليست قضية لجنة تحضيرية، ولا قضية أسماء أو مقاعد.
القضية: ماذا تريد حضرموت؟ ومن سيحمل هذا المطلب إلى طاولة الحوار؟
وهذا ما سأحاول التطرق إليه في الجزء القادم، من خلال الحديث عن الرؤية الحضرمية التي يفترض أن تُطرح، وما الذي يمكن أن نتفق عليه جميعًا بعيدًا عن الخلافات والاستقطابات.
للحديث بقية...
#عبدالجبار_باجبير