منذ أن رحلت بريطانيا بجنودها وأسطولها من عدن، والمواطن فيها والمحافظات المجاورة لم يعرف حياة مستقرة. كلما ظن الناس أن مرحلة التعب انتهت، بدأت مرحلة أخرى أشد منها.....بدأت الحكاية بالدم بين الرفاق، وقمع الحريات، وفرض أفكار و إيديوجيات لم تكن تشبه طبيعة الناس ولا حياتهم.... أُرهق الناس، وانتشرت المناطقية، وتخاصم الإخوة، وتقطعت بينهم الأواصر.
ثم جاءت الوحدة، واستبشر بها الناس، وظنوا أنها ستفتح لهم بابا جديدا. فإذا بها تتحول إلى معاناة أخرى... كُفّر الناس، وانتشرت الجماعات المسلحة، واستُخدمت بعض القوى الدينية والعسكرية لتحقيق أهداف سياسية. وأصبح المواطن الجنوبي يشعر أنه مواطن من الدرجة الثانية، يبحث عن حقه بين مراكز النفوذ وأصحاب القوة. وسيطر المؤتمر الشعبي على البلد، وحين استقرت له السلطة، أُبعد كثير من الكوادر القادرة، وقرب أهل الولاء والحزب. وكان المؤلم أن بعض أبناء الجنوب أنفسهم كانوا يرون أهلهم يعيشون التهميش والذل، بينما يواصلون تأدية التحية للزعيم. وحين اختلفوا فيما بينهم، نقلوا خلافاتهم إلى عدن. اجتاحوها مرة أخرى، وسقط الشباب، ودمرت البيوت، وهُجر الناس من مناطقهم ..
ثم استبشرنا مرة أخرى بالتحالف، وقلنا: لعلها هذه المرة تكون الفرصة التي تعيد لنا كرامتنا وهيبتنا وأرضنا. لكننا اكتشفنا أن لكل طرف حساباته وأهدافه.
ظهرت مجالس وتشكيلات، وأصبح الولاء للخارج عند بعضهم أهم من الولاء للناس والوطن. صار المال حاضرا بقوة، والريال والدولار والدرهم جزءا من لعبة السياسة. أما المواطن، فله الله؛ يعاني الفقر والجوع والحر والعطش، ويموت كل يوم ألف مرة من ضيق الحياة.
وتعددت التشكيلات العسكرية، لكن المواطن لم يشعر بالأمان الذي كان ينتظره....
حتى بعض من كنا نظن بهم الخير تغيّرت أحوالهم. رأينا من كان يتحدث عن الزهد والقيم ينتقل إلى القصور والفلل والأعمال والمال، إلا من رحم الله.
أكثر من ستين عاما مرت على عدن والمحافظات المجاورة، تغيرت الوجوه، وتبدلت الأفكار، وتغيرت الرايات والشعارات، لكن شيئا واحدا بقي كما هو: التهميش، والنكران والجحود للبسطاء من الناس ....