في مصطلح "الخضرنة" الذي قد يجهله غير اليمنيين، سمعت تصريحا مثيرا للسخرية والضحك والشفقة في آن لواحد قبل ايام لمنتحل صفة مدير مكتب رئاسة الجمهورية أحمد حامد فرج، وهو قيادي حوثي معتق. قال حامد في معرض رده على منتقدي جماعته التي علقت عشرات الملايين من المصابيح الخضراء في العاصمة صنعاء استعدادًا للاحتفال بالمولد النبوي لا تستغرق الطاقة إطلاقا لأنها خضراء. ويا له من تصريح كاشف.
أما "القطرنة" فهو الاخر مصطلح لا يدرك معناه إلا اليمنيون لأنه يمثل الذاكرة اليمنية، تمثل إحدى وسائل الإذلال التي ارتبطت بعهد الإمام أحمد حميد الدين، حين كانت وجوه المعارضين تُطلى بالقطران للتشهير بهم وكسر كرامتهم، وليس هذا فقط فقد طلب الإمام من الشعب اليمني أن "يتقطرن" في فترة ما من سنين حكمه البائدة بما حملته من مآسي وأوجاع لا تخفى على كل يمني.
واليوم تستعيد مليشيا الحوثي جوهر الممارسة ذاتها بأداة ولون مختلفين؛ فتفرض على اليمنيين «الخضرنة»، وتلزمهم بطلاء البيوت والمتاجر والشوارع وشراء اللافتات الخضراء وتمويل فعالياتها تحت اسم الاحتفال بالمولد النبوي، بل وحتى تعليق مصابيح ضوئية خضراء على أجساد الأطفال والنساء كما شاهدنا في عشرات الفيديوهات المتداولة والقادمة من صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثي .
من سواد القطران قديمًا إلى اخضرار الجدران اليوم، يبقى المواطن هو من يدفع الثمن. تتغير الألوان ولا يتغير القهر؛ تُنتزع أمواله، وتُقطع رواتبه، وتُستنزف مصادر رزقه، ثم يُترك لمواجهة الفقر والجوع. ومن هنا يلخص عنوان «تقطرنوا.. تخضرنوا وموتوا جوعًا» مسارًا من الإذلال القديم والمتجدد، ويفتح الباب للسؤال عن الطريقة التي حولت بها المليشيا مناسبة دينية تقوم على الرحمة إلى موسم للجبايات والابتزاز وتجويع اليمنيين.
ما لا يدركه أخوتنا العرب والمسلمون اليوم أن اقتراب ذكرى المولد النبوي في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي باليمن لم يعد مرتبطًا بالسكينة والرحمة واستحضار السيرة النبوية، بل أصبح لدى قطاعات واسعة من اليمنيين موسمًا ثقيلًا تتجدد فيه الجبايات والإتاوات، وتتضاعف الضغوط على المواطنين المنهكين أصلًا بانقطاع الرواتب وتوقف مصادر الدخل وارتفاع الأسعار بسبب الحروب التي يختلقها الحوثي لسبب او لاخر من عام لاخر مع اليمنيين ومع دول الجوار والمنطقة والعالم.
كنت قبل قليل أتصفح موقع إكس وفيه حملة أطلقها يمنيون في مواقع التواصل الاجتماعي تحت وسم "انا جاوع يا رسول الله" بالتزامن مع موسم الاحتفالات بالمولد النبي ، وفي محتواه ما يوجع القلب. هذه المفارقة المؤلمة؛ فهو لا يعترض على المناسبة الدينية ومكانتها في نفوس اليمنيين، بل ينقل صرخة مواطن جائع يرى الأموال تُنتزع من قوت أسرته باسم الاحتفال، بينما تعجز أسرته عن توفير أبسط احتياجاتها اليومية.
تشمل الجبايات التي يفرضها الحوثي وسلالته التجار وأصحاب المحال وملاك العقارات والمزارعين وغيرهم، ولا يسلم منها العامل أو العاطل عن العمل أو الموظف المحروم من راتبه. الجميع يواجهون مطالب مالية تتخذ من المولد غطاءً لها، ومن يرفض الدفع يتعرض للمضايقة والتهديد، في وقت تنعدم فيه مصادر الدخل وتنقطع الأرزاق وتتدهور فيه قيمة العملة.
ولا تتوقف آثار هذه الجبايات الحوثية عند من يدفعها مباشرة؛ فالتاجر الذي تُفرض عليه مبالغ إضافية يضطر إلى تحميلها على أسعار السلع، والمزارع ينقل التكلفة إلى منتجاته، وصاحب وسيلة النقل يرفع أجرة خدماته. وفي النهاية يعود العبء كاملًا إلى المواطن الذي يجد نفسه أمام أسعار متصاعدة وقدرة شرائية تتآكل يومًا بعد آخر.
وتبدو المفارقة أكثر قسوة عندما تُنفق ملايين الريالات على اللافتات والزينة والطلاء الأخضر والفعاليات، بينما تعيش أسر يمنية بلا رواتب أو غذاء كافٍ. في شوارع تزدحم بالشعارات، يقف مواطنون يبحثون عن ثمن الخبز، ويتساءلون عن معنى احتفال تُجمع أمواله من جيوب الجائعين ولا يعود عليهم بأي خدمة أو مساعدة.
لقد حوّلت المليشيا الحوثية المناسبة إلى مورد مالي وأداة لإظهار السيطرة وحشد الجماهير، وربطت حب النبي بالدفع والمشاركة في فعالياتها. وبدل أن يكون الاحتفاء مناسبة للتراحم وإطعام المحتاجين وتفريج كرب الأسر، أصبح وسيلة لابتزازها وإجبارها على تمويل احتفالات لا تملك حق الاعتراض عليها.
المولد النبوي مناسبة دينية عظيمة، ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم تتجسد في الرحمة والعدل وصون كرامة الإنسان وإطعام الجائع وحفظ أموال الناس، لا في مصادرة قوتهم وتهديدهم وإجبارهم على دفع ما لا يملكون. ومن يرفع اسم النبي ثم يترك الناس فقراء وجائعين يناقض جوهر الرسالة التي جاء بها نبي الرحمة.
كان الأولى توجيه الأموال التي تُنفق على المظاهر الاحتفالية إلى دفع الرواتب، ومساندة الأسر الفقيرة، وإغاثة المنكوبين، وتخفيف الأعباء عن التجار والمزارعين. غير أن المليشيا اختارت تحويل المناسبة إلى موسم سنوي للجبايات، حتى بات المواطن يستقبلها بالخوف من المطالب المالية الجديدة بدلًا من الفرح والطمأنينة.
وتبقى عبارة «أنا جاوع يا رسول الله» شهادة موجعة على واقع يختلط فيه الاستغلال الديني بالجوع؛ صرخة مواطن يرى اسم الرسول حاضرًا في الشعارات، بينما تغيب الرحمة عن حياته، ويُطلب منه تمويل الاحتفال في الوقت الذي لا يجد فيه ما يطعم به أطفاله.