آخر تحديث :السبت-29 أغسطس 2026-08:59ص

الدعاوى التي لا تسقط بالتقادم

الجمعة - 21 أغسطس 2026 - الساعة 03:21 ص
المحامي مختار راجح


دراسة قانونية تأصيلية في ضوء القانون اليمني والفقه الإسلامي والقضاء المقارن


تأليف: المستشار والأديب والشاعر والباحث القانوني

المستشار والمحامي مختار راجح


مقدمة


يُعد التقادم من الموضوعات القانونية التي تتصل اتصالًا وثيقًا باستقرار المعاملات وحماية المراكز القانونية من أن تظل معرضة للمنازعة إلى غير نهاية. والأصل أن مرور الزمن قد يرتب أثرًا قانونيًا على بعض الحقوق والدعاوى، وفقًا للشروط والمدد التي يحددها القانون.


غير أن القول بأن كل حق وكل دعوى تخضع للتقادم قول غير دقيق؛ إذ إن المشرّع قد يقرر صراحةً عدم سقوط بعض الحقوق أو الدعاوى بمرور الزمن، أو يجعل لها نظامًا خاصًا يختلف عن القاعدة العامة.


ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الحق، والدعوى، والحيازة، والتقادم المسقط، والتقادم المكسب؛ لأن الخلط بينها قد يؤدي إلى نتائج قانونية غير صحيحة.


والقاعدة التي أراها أكثر دقة هي:


«ليس كل حق لا يسقط بالتقادم بالضرورة أن تكون الدعوى المتعلقة به غير خاضعة للتقادم، وليس كل دعوى تخضع للمدة العامة، بل يتعين الرجوع أولًا إلى النص الخاص، ثم إلى القواعد العامة، مع مراعاة طبيعة الحق والحيازة وآثار التقادم التي رتبها القانون.»


---


المبحث الأول


مفهوم التقادم وأساسه القانوني


التقادم في معناه القانوني هو مرور مدة من الزمن يترتب عليها أثر قانوني يحدده المشرّع.


وقد يكون التقادم:


1. تقادمًا مسقطًا، يترتب عليه سقوط سماع الدعوى أو انقضاء المطالبة وفقًا للنظام القانوني المقرر.

2. تقادمًا مكسبًا، يترتب عليه اكتساب حق معين متى استوفت الحيازة شروطها القانونية.

3. مدة قانونية خاصة يحددها المشرّع لدعوى معينة.

4. مدة عامة تطبق عند عدم وجود نص خاص.


ولا يجوز استخلاص مدة التقادم من مجرد طبيعة النزاع، وإنما يجب تحديد النص القانوني الواجب التطبيق.


---


المبحث الثاني


التمييز بين الحق والدعوى


من أهم المسائل التي يجب ضبطها عند دراسة التقادم التمييز بين الحق الموضوعي والدعوى التي تحميه.


فالحق هو المركز القانوني الذي يقرره القانون لشخص معين، أما الدعوى فهي الوسيلة القانونية التي تمكن صاحب الحق من اللجوء إلى القضاء لحمايته.


وبالتالي قد يكون:


- الحق قائمًا،

- ولكن الدعوى المرتبطة به خاضعة لمدة معينة،

- أو يكون الحق ذاته غير قابل للسقوط بالتقادم وفقًا للنص الخاص،

- أو تكون هناك دعوى ذات طبيعة خاصة لها مدة مستقلة.


ومن الخطأ إطلاق القول:


««إن الحق لا يسقط بالتقادم، إذن الدعوى لا تسقط بالتقادم».»


فالمسألة تحتاج إلى تحديد طبيعة الحق وطبيعة الدعوى والنص القانوني المنظم لها.


---


المبحث الثالث


الدعاوى التي لا تسقط بالتقادم


الأصل أن الاستثناء من التقادم لا يُفترض افتراضًا، وإنما يستند إلى نص قانوني أو إلى طبيعة قانونية قرر المشرّع حمايتها بصورة خاصة.


ومن أهم الصور التي تثار في هذا المجال:


أولًا: الدعاوى المتعلقة بالملكية


حق الملكية من الحقوق العينية الأصلية، والأصل أن مجرد عدم استعمال المالك لملكه لا يعني بذاته زوال ملكيته.


لكن يجب التمييز بين عدم سقوط الملكية بمجرد عدم الاستعمال وبين اكتساب الغير للحق عن طريق الحيازة متى توافرت شروطها القانونية.


فليس من الدقة القول إن كل دعوى ملكية لا تتأثر بأي صورة من صور التقادم، وإنما يجب بحث أثر الحيازة والنصوص الخاصة المنظمة لاكتساب الملكية.


ثانيًا: الدعاوى المتعلقة بالحقوق العينية العقارية


تختلف الأحكام بحسب طبيعة الحق العيني والعقار والحيازة والتسجيل والنصوص الخاصة.


ولهذا لا يجوز وضع جميع الحقوق العينية العقارية في حكم واحد، بل ينبغي تحديد:


- نوع الحق،

- مصدره،

- طبيعة العقار،

- وضع الحيازة،

- التسجيل إن كان القانون يشترطه،

- والمدة القانونية المقررة.


ثالثًا: الدعاوى التي استثناها المشرّع صراحة


إذا ورد نص قانوني صريح يقرر عدم سقوط حق أو دعوى بالتقادم، وجب احترام النص الخاص.


والقاعدة الأصولية هنا:


«النص الخاص يقيد النص العام، والاستثناء يطبق في نطاقه ولا يتوسع فيه بغير سند.»


رابعًا: الحقوق التي ترتبط بالنظام العام


هناك حقوق ومراكز قانونية لا يجوز للأفراد الاتفاق على مخالفة الأحكام الآمرة التي تحكمها.


لكن مجرد تعلق المسألة بالنظام العام لا يعني تلقائيًا أن الدعوى لا تسقط بالتقادم؛ وإنما يجب البحث في النص الذي قرر الحماية وطبيعة الحق وآثار التقادم عليه.


---


المبحث الرابع


الحيازة وأثرها في الملكية


الحيازة ليست مجرد واقعة مادية، وإنما قد تترتب عليها آثار قانونية مهمة.


ومن أخطر مواضع الخلط أن يقال:


««المالك لم يستعمل ملكه، إذن فقد ملكيته».»


فهذه العبارة على إطلاقها غير صحيحة.


وفي المقابل لا يصح القول:


««الملكية لا تتأثر مطلقًا بمرور الزمن مهما كانت حيازة الغير».»


فالواجب دراسة أحكام الحيازة وشروطها ومدتها وآثارها في ضوء القانون الواجب التطبيق.


ومن هنا تظهر ضرورة الفصل بين:


عدم استعمال الملكية

وبين

حيازة الغير للمال بنية التملك واستيفاء الشروط القانونية اللازمة لاكتساب الحق.


---


المبحث الخامس


التقادم الطويل والتقادم القصير


ليس صحيحًا أن جميع الدعاوى إما أن تخضع لتقادم طويل أو لتقادم قصير.


فقد توجد:


1. مدة عامة.

2. مدة خاصة.

3. مدة أقصر لدعاوى معينة.

4. مدة أطول لدعاوى أخرى.

5. دعاوى استثناها القانون من التقادم.

6. حقوق لا تزول بمجرد عدم استعمالها، مع خضوع بعض وسائل حمايتها لأحكام خاصة.


ولهذا فإن تحديد التقادم يبدأ دائمًا من السؤال:


«ما النص القانوني الذي يحكم الدعوى محل النزاع؟»


ثم يأتي بعد ذلك تحديد مدة التقادم وأثرها وشروط التمسك بها.


---


المبحث السادس


هل التقادم يتعلق بالحق أم بالدعوى؟


هذه المسألة من أدق مسائل التقادم.


فالفقه القانوني يميز بين سقوط الحق ذاته وبين عدم سماع الدعوى أو سقوط المطالبة القضائية وفقًا للنظام الذي يأخذ به القانون.


ولهذا يجب عدم استعمال عبارة «سقوط الحق بالتقادم» على إطلاقها دون معرفة الأثر الذي رتبه القانون على انقضاء المدة.


والتكييف الصحيح يتطلب معرفة:


- هل المدة تتعلق بالدعوى؟

- هل تتعلق بالحق؟

- هل هي مدة سقوط؟

- هل هي مدة تقادم؟

- هل يجوز وقفها؟

- هل يجوز انقطاعها؟

- هل يجوز الاتفاق على تعديلها؟

- وهل يتمسك بها صاحب المصلحة أم تثيرها المحكمة من تلقاء نفسها؟


---


المبحث السابع


التقادم ودفوع الخصوم


التقادم لا يُبحث بمعزل عن الإجراءات القضائية.


فإذا تمسك المدعى عليه بالتقادم، فعلى المحكمة أن تبحث:


1. طبيعة الحق محل المطالبة.

2. طبيعة الدعوى.

3. النص القانوني المنظم.

4. بداية سريان المدة.

5. المدة الواجبة التطبيق.

6. أسباب الوقف.

7. أسباب الانقطاع.

8. ما إذا كان هناك نص يستثني الدعوى من التقادم.

9. ما إذا كان التمسك بالتقادم قد تم وفقًا للقواعد الإجرائية.


وهنا يظهر مبدأ مهم:


«القضاء لا يكون بتسمية الخصوم لدعواهم، وإنما بحقيقة سببها وموضوعها وتكييفها القانوني الصحيح.»


---


المبحث الثامن


التقادم في الفقه الإسلامي


يختلف الفقه الإسلامي في توصيف أثر مرور الزمن عن الصياغات الحديثة للتقادم.


والقاعدة الأصلية في الشريعة أن الحقوق لا تزول بمجرد ترك المطالبة بها لمجرد مرور الزمن، إلا أن الفقه الإسلامي عرف أحكامًا تتصل بمنع سماع بعض الدعاوى بعد مضي مدة معينة في بعض التطبيقات القضائية، تحقيقًا للاستقرار ومنعًا للتلاعب وحمايةً للمراكز القانونية.


ومن هنا يجب التمييز بين:


سقوط الحق شرعًا

وبين

عدم سماع الدعوى قضائيًا في بعض الأحوال.


وهذا التمييز بالغ الأهمية عند المقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي.


---


المبحث التاسع


التقادم في القضاء المقارن


استقر الفكر القضائي المقارن على أهمية تحديد طبيعة الحق والدعوى قبل تحديد أثر مرور الزمن.


ولا يكفي أن تكون الدعوى مطالبة بحق معين حتى يقال إنها تخضع للمدة العامة؛ فقد يقرر القانون مدة خاصة أو يستثني نوعًا من الحقوق.


كما أن القضاء لا يتقيد بالوصف الذي يسبغه الخصوم على طلباتهم، وإنما ينظر إلى حقيقتها القانونية.


وهذا يتفق مع مبدأ:


«العبرة بحقيقة الطلب ومرماه، لا بالألفاظ التي صيغ بها.»


---


المبحث العاشر


رأيي الفقهي


أرى أن دراسة التقادم يجب أن تقوم على ثلاث مراحل متتابعة:


المرحلة الأولى: تحديد الحق


ما طبيعة الحق؟


هل هو شخصي أم عيني؟


هل هو حق أصلي أم تبعي؟


هل يتعلق بالنظام العام؟


المرحلة الثانية: تحديد الدعوى


ما الدعوى التي تحمي الحق؟


هل هي دعوى أصلية؟


هل هي دعوى تقريرية؟


هل هي دعوى استحقاق؟


هل هي دعوى مطالبة؟


وهل خصها القانون بمدة معينة؟


المرحلة الثالثة: تحديد أثر الزمن


بعد تحديد الحق والدعوى، يبحث القاضي:


- مدة التقادم.

- تاريخ بدء المدة.

- الوقف.

- الانقطاع.

- الاستثناء.

- أثر انتهاء المدة.


وبذلك لا يصبح التقادم قاعدة آلية تطبق بمجرد مرور الزمن، بل مسألة قانونية مركبة تحتاج إلى تكييف صحيح.


---


المبحث الحادي عشر


القواعد التي أراها حاكمة في الدعاوى غير الساقطة بالتقادم


يمكن صياغة أهم القواعد على النحو الآتي:


القاعدة الأولى:

لا يُفترض الاستثناء من التقادم بغير سند قانوني.


القاعدة الثانية:

لا يجوز الخلط بين الحق والدعوى.


القاعدة الثالثة:

عدم استعمال الحق لا يعني دائمًا زواله.


القاعدة الرابعة:

الحيازة قد ترتب آثارًا قانونية مستقلة متى استوفت شروطها.


القاعدة الخامسة:

النص الخاص مقدم على القاعدة العامة.


القاعدة السادسة:

ليس كل الدعاوى خاضعًا للمدة العامة.


القاعدة السابعة:

يجب تحديد بداية التقادم قبل حساب نهايته.


القاعدة الثامنة:

يجب بحث أسباب الوقف والانقطاع قبل الحكم بسريان التقادم.


القاعدة التاسعة:

لا يكفي وصف الدعوى بأنها «دعوى ملكية» أو «دعوى مطالبة» دون تحديد حقيقتها القانونية.


القاعدة العاشرة:

التكييف القضائي الصحيح هو المدخل الصحيح لتحديد التقادم.


---


خاتمة


إن التقادم ليس مجرد عملية حسابية تبدأ من تاريخ وتنتهي بتاريخ، وإنما هو نظام قانوني متكامل يرتبط بطبيعة الحق والدعوى والحيازة والنص القانوني الخاص.


ومن أخطر الأخطاء أن يُقال إن كل دعوى تسقط بالتقادم، كما أنه من الخطأ المقابل القول إن كل دعوى ملكية لا يمكن أن تتأثر بمرور الزمن في جميع الأحوال.


والصحيح أن لكل دعوى حكمها بحسب طبيعتها والنص الذي يحكمها، وأن الاستثناءات يجب أن تُفهم في حدودها القانونية، مع مراعاة أحكام الحيازة والتسجيل والوقف والانقطاع وسائر الآثار التي يقررها القانون.


وعليه فإن القاعدة التي أخلص إليها هي:


««لا يبدأ البحث في التقادم من السؤال: كم مضى من الزمن؟ وإنما يبدأ من السؤال: ما طبيعة الحق، وما طبيعة الدعوى، وما النص القانوني الذي يحكمها؟»»


وهذه القاعدة في تقديري هي المدخل الصحيح لفهم الدعاوى التي لا تسقط بالتقادم، والتمييز بينها وبين الدعاوى التي تخضع للمدد العامة أو الخاصة، دون خلط بين الحق والدعوى والحيازة وأثر مرور الزمن.


تأليف: المستشار والأديب والشاعر والباحث القانوني

المستشار والمحامي مختار راجح