دخلت المعلمة الفصل في صباح بدا عادياً، لكنه لم يكن كذلك في عيون التلاميذ الصغار. كانوا جلوساً في صفوفهم، شاردي الذهن، كل يحدق في كتابه دون أن يُقلب صفحة واحدة، كأن بين عيونهم وأوراقهم حجاباً من ضباب ثقيل.
اقتربت منهم المعلمة بهدوء، واختارت واحداً منهم، فجلست إلى جواره، وقالت بلطف:
· يا بني، لماذا لا تهتم بدروسك؟ والكل يسمعها. ولماذا لا يعينك والدك في المراجعة؟
رفع التلميذ عينيه إليها، وقال بصوت هادئ يخفي خلفه حكاية أكبر من عمره، وأثقل من كتفيه الصغيرين:
· أبي، يا معلمتي، يعمل على سيارة أجرة.
ابتسمت المعلمة ابتسامة فيها عطف، وقالت:
· أعلم أن العمل متعب، ولكن حين يعود إلى البيت، أليس لديه وقت قليل يجلس فيه معك؟
هز التلميذ رأسه بحسرة، وقال:
· أبي لا يعود إلى البيت إلا لحظات معدودات، فإذا انتهى من عمله، مضى إلى طابور محطات الوقود؛ يقف ساعات طوالا حتى يحصل على ما يكفيه من البنزين ليواصل عمله في اليوم التالي. ثم يعود مرهقاً، كأنما يحمل الطريق كله فوق كتفيه. يأكل لقيمات، ويسأل عن حالنا، ثم يغلبه التعب... فلا يكاد يجلس حتى ينام، وكأن جسده قد أُودع سر النوم قبل أن يودع روحه.
سكتت المعلمة قليلاً، ثم تنفست بعمق، وقالت:
· الله يعيننا جميعاً... ولكن أمك موجودة في البيت، أليس كذلك؟ ألم تخبرني أن لديها شهادة جامعية؟ فلماذا لا تعينك في مراجعة دروسك؟
نظر التلميذ إلى الأرض، كأنما يبحث عن إجابة بين حصياتها، ثم قال بحسرة أعمق:
· أمي ليست جالسة في البيتِ يا معلمتي.
تعجبتِ المعلمة:
· كيف؟ وأين تذهب؟
قال:
· تخرجُ منذ الصباح مع نساء الحي إلى أطراف المدينة لجمع الحطب؛ لأن غاز الطهي أصبح حلماً لا نصل إليه إلا بعد انتظار طويل، وإن وجدناه فلا نملك ثمنه دائماً. أمي تحمل الحطب على ظهرها، ثم تعود به إلى البيت لتوقد النار وتطبخ لنا الطعام.
تغير وجه المعلمة، واختلج قلبها، وقالت بصوت خافت كأنه يخرج من جوف حزن قديم:
· رحم الله حالنا... ولكن لك إخوة كباراً، أليس كذلك؟ ألم تخبرني أن لك أخوين أكبر منك؟ فلماذا لا يُساعدانِك؟
قال التلميذ:
· يساعدان أبي يا معلمتي.
·المعلمة:
وكيف؟
·التلميذ:
يخرجان في الصباح إلى السوق، ويعملان حتى المساء. يعودان وهما منهكان، لا يبحثان عن الراحة لأنهما يعرفان أن البيت ينتظر منهما شيئاً آخر... ليس راحة، بل قوتاً.
المعلمة:
· ولماذا يعملان كل هذه الساعات؟
قال التلميذ، وكأنه يعد فواتير الحياة:
· ليساعدا أبي في شراء كيس من الدقيق، وبعض الأرز، والماء. فقد أصبح الطعام أغلى من قدرتنا، وأصبح الراتب الذي ننتظره لا يكفي إلا لأيام معدودات، وأحياناً لا يأتي في موعده، كأن الأيام تتعمد أن تطول حين ننتظره.
ساد الصمت الفصل. صمت ثقيل كأن الزمن توقف ليفكر معهم.
نظرت المعلمة إلى التلاميذ، وهم يحدقون بأعينهم فيها، ثم يعودون بنظراتهم إلى كتبهم، ثم إلى حقائبهم القديمة التي تروي قصصاً لا تكتب في المناهج. وشعرت أن السؤال الذي طرحته لم يكن عادلاً. كنت أظن أن وراء دفاترهم غير المرتبة إهمالاً، ولم تعرفْ أن وراءهم أباً يطارد لقمة العيش، وأماً تطارد الحطب، وإخوة يطاردون رزقاً شحيحاً، وبيتاً يطارد الماء والكهرباء والغاز والراتب... كأن حياتهم كلها مطاردة بلا وصول.
قالت المعلمة بصوت مبحوح، كأنما تكتم دمعاً:
· سامحني يا بني، بل سامحوني جميعاً... لقد كنت أظن أنكم لا تبالون بدروسكم، ولم أعرف أنكم تخوضون معركة كل يوم من أجل البقاء.
ثم نهضت المعلمة مسرعة، كأن وراءها موعداً مهماً، وهي تقول في لهفة:
· لقد تأخرت... لقد تأخرت... سامحوني تلاميذي الأعزاء.
وحين سمعت صوت امرأة يناديها من خلف السور، خرجت إليها فإذا بالمرأة تقول لها:
· هيا، لقد تأخرنا... علينا أن نذهب إلى الحطب قبل أن تشتد حرارة الشمس!
وكان خلف تلك المرأة مجموعة من النسوة يحملن الحبال والأكياس، يستعددن للذهاب للحطب.
فقالت المعلمة، وقد أشرق وجهها بعزم:
· إنني مستعدة، ومعي في حقيبتي الحبال، سأذهب معكن الآن.
وقبل أن تخطو خطوة، جاءها صوت التلميذ من خلفها:
· لحظة يا معلمتي!
التفتت إليه، وفي عينيه بريق طفل يرى ما لا يراه الكبار.
قال وهو يشير إلى المرأة التي كانت تنادي المعلمة، وصوته يتهادى بين الدهشة والحنين:
· تلك المرأة يا معلمتي... هي أمي.