قرار تعيين هاشم الأحمر مستشاراً عسكرياً للقائد الأعلى للقوات المسلحة، وترقيته إلى رتبة فريق، يمثل واحدة من أكثر الخطوات استفزازاً للرأي العام، ويكشف بوضوح أن مجلس القيادة الرئاسي يمضي في اتجاه إعادة إنتاج منظومة الحكم والنفوذ التي ارتبطت بمراحل سابقة.
هذا القرار لا يمكن فصله عن النهج الذي يسير عليه رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، والذي اتجه منذ توليه السلطة إلى توسيع دائرة المناصب والمستشارين، وإعادة تقديم شخصيات وقيادات من مراحل سابقة إلى مواقع متقدمة، وكأن إدارة الدولة أصبحت تقوم على إعادة توزيع النفوذ بدلاً من بناء مؤسسات قادرة على أداء مسؤولياتها.
وفي ظل ما تمر به البلاد من أزمات متراكمة وتراجع مؤسسي، تختار السلطة توسيع دائرة المستشارين وإصدار قرارات التعيين والترقية، في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول أولويات السلطة والجهات التي تقف خلف صناعة القرار.
إن استمرار إعادة تقديم قيادات ومراكز نفوذ ارتبطت بمراحل سابقة، تحت مسميات ومواقع جديدة، لم يعد يبدو مجرد قرارات منفردة أو خيارات إدارية عابرة، وإنما يكشف عن نهج سياسي يجري من خلاله إعادة ترتيب النفوذ داخل مؤسسات الدولة.
وهنا تبرز مسؤولية رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بصورة مباشرة، باعتباره صاحب القرار والمسؤول عن هذه التعيينات، خصوصاً إذا كانت هذه القرارات ـ كما يذهب كثيرون ـ تأتي بإيعاز من قوى وشبكات نفوذ تعمل من خلف المشهد، أو ما بات يُعرف بـ«حكومة الظل».
لقد عانى الشعب طويلاً من تداخل السلطة مع مراكز النفوذ والمحسوبية، ومن غير المقبول أن تعود الأساليب ذاتها إلى المشهد تحت عناوين ومسميات جديدة.
إن إعادة تدوير القيادات ومراكز النفوذ السابقة، وتحويل المناصب العليا إلى أدوات لإعادة ترتيب التوازنات السياسية، يكشف خللاً عميقاً في طريقة إدارة الدولة، ويؤكد أن مجلس القيادة الرئاسي لم يستطع الانتقال بالبلاد إلى نموذج مختلف في إدارة السلطة.
والمسؤولية هنا واضحة ومباشرة، وتقع أولاً على رئيس مجلس القيادة الرئاسي، ثم على مجلس القيادة مجتمعاً، باعتباره المسؤول سياسياً عن المسار الذي تسير فيه السلطة.
ولا مجال بعد اليوم للصمت أو التهرب من المسؤولية.
فالجهات الرقابية والتشريعية والقضائية المعنية مطالبة بأن تقوم بدورها في كشف حقيقة هذه التعيينات ومصادر القرار التي تقف خلفها، وأن تتحمل مسؤوليتها أمام الشعب والتاريخ؛ لأن استمرار الصمت يعني ترك مؤسسات الدولة رهينة لمراكز النفوذ والحسابات السياسية.
لقد تحولت السلطة إلى منظومة تتوسع فيها المناصب والمستشارون والرتب العليا، بينما تتراجع ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، ويزداد الشعور بأن القرار السياسي أصبح أسيراً لتوازنات ومصالح لا علاقة لها بأولويات بناء الدولة.
السؤال الأهم هو: إلى متى سيستمر هذا النهج؟
وإلى متى ستظل مؤسسات الدولة عرضة لتدخل مراكز النفوذ؟
وإلى متى سيستمر مجلس القيادة في إنتاج قرارات تعيد فتح أبواب الماضي بدل بناء مؤسسات تتجاوز أخطاءه؟
إن مجلس القيادة الرئاسي فشل في إدارة المرحلة، وفشل في تقديم نموذج مختلف لإدارة الدولة، وأصبح استمرار هذا النهج عبئاً سياسياً على البلاد.
وإعادة تدوير قيادات ومراكز نفوذ المرحلة السابقة، وتوسيع دائرة المناصب والمكافآت السياسية، يؤكد حجم الخلل في منظومة إدارة الدولة، ويضع مستقبل المؤسسات أمام خطر الاستمرار في النهج ذاته.
كما أن استمرار مجلس القيادة الرئاسي بهذا النهج يستوجب مراجعة سياسية شاملة لأدائه، ومحاسبة المسؤولين عن الفشل والفساد والعبث الإداري والسياسي، وفتح الطريق أمام تغيير حقيقي يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها.
لقد تحمل الشعب ما يكفي، ولم يعد مستعداً لتحمل أعباء الفشل وسوء الإدارة والحسابات السياسية.
لقد أصبح استمرار مجلس القيادة الرئاسي بهذا النهج عبئاً على الدولة أكثر من كونه حلاً لأزماتها، ولم يعد تغيير المسار ممكناً بالترقيعات والقرارات ذاتها التي عمّقت الأزمة.
ولذلك فإن رحيل مجلس القيادة الرئاسي لم يعد مجرد مطلب سياسي، بل أصبح ضرورة لفتح الطريق أمام مرحلة جديدة، تستعيد فيها مؤسسات الدولة دورها، ويعود القرار إلى مؤسسات الدولة، وتُبنى السلطة على الكفاءة والمسؤولية والمساءلة، لا على النفوذ وإعادة تدوير مراكز القوة.
فالبلاد بحاجة إلى دولة مؤسسات، لا إلى إعادة تدوير مراكز النفوذ؛ وإلى قرار وطني واضح، لا إلى قرارات تُصنع خلف الأبواب المغلقة.