كانت الساعة، لا أدري،
ولكن من بعيد شدَّني صوت المآذن.
وتمحورتني حكاياتي، دون ذنب، حبيسةَ الظلم والإقصاء والتهميش، وتسيّر بي خطايا الزمن القديم؛ فكلهم ظالمون، ولا أستثني منكم أحدًا. فكلما رأيت في المنام وطنًا تحتكم فيه عفاريتُ الجان إلى قانون السلطان، وتحترم صلة الأرحام مراكزَ القيم والإمكانات، وتستحقر الكرامةَ بطشُ ملوك الجان.
لا أعلم من أي موقع أنطلق، وكل ما حولي فِرَق؛ كل فريقٍ يدّعي أنه من أقارب السلطان. كتبت عن الفساد، فاتُّهِمت بالزندقة والدجل، وعن روّاد وحاشية قصر السلطان. بحثت عن وطن، فلم أجده إلا في حكايات الصبيان. ناشدتُ، وشكوتُ الظلم، فتتهمني العدالة بأنني مجرم، ولا أوقّر السلطان.
آآآآآه، كم أنتَ مثيرٌ يا هوسي، أيها الوطن المكتوب عليك البقاء تحت وطأة الحاشية! إنهم أحقر الخلايا التي تتفضّل باسم السلطان، وكل من فيهم جبان، إلا خاشيًا من عقاب الله، وقليلٌ ما هم.
شكيت، وبكيت، ونحتُّ بكل اللغات.
رسمتُ، وكتبتُ، ونحتُّ كل أحلام الصبا على أسطح الجدران. ماذا عساها حروف العرب قائلة؟ وماذا يقول عنك الحبر والقلم؟
وطنٌ بغير كرامة، وقيادةٌ لا تنظر إلا إلى أولي الأرحام.
وفي وطنٍ كهذا، لا يموت الفساد؛ لأنه يجد له ألف باب، ولا تنكشف الحاشية؛ لأنها تلبس لكل بابٍ ألف ثوب.
يتوحشون باسم السلطان، ويتقوّون بظل السلطان، حتى يصبح القرب من القصر ميزانَ حقٍّ وباطل، ويغدو النسب سلّمًا للمناصب، والولاء جسرًا للمكاسب، والحق غريبًا بين الأبواب.
هناك فسادٌ يأكل المال، وفسادٌ يأكل الرجال، وفسادٌ أخطر منهما يأكل هيبة القانون؛ فإذا صمت القلم، نطق الظلم، وإذا خرس العدل، علا صوت الحاشية، وإذا صار القرب من السلطان حصانةً من الحساب، أصبح الوطن بطاقةً تُقرأ بالأسماء لا بالحقوق.
وحاشية السلطان، إذا توحشت، جعلت من السلطة غابة، ومن القانون ستارًا، ومن الوطن غنيمة؛ يرفعون راية السلطان بألسنتهم، ويهدمون هيبته بأفعالهم، حتى يصبح السلطان آخر من يعلم، والشعب أول من يتألم.
وما أقسى وطنًا يُحاكم فيه من يقول الحقيقة، ويُكرَّم فيه من يصنع الخطيئة؛ وطنٌ تُغلق فيه أبواب العدالة أمام المظلوم، وتُفتح فيه أبواب القصر أمام صاحب النسب والجاه.
لكنني، رغم كل هذا، سأظل أكتب؛ فالقلم لا يستأذن الحاشية، والحق لا يحتاج إلى قرابة السلطان، والوطن ليس ملكًا للحاشية ولا إرثًا للعائلة، وإنما هو حقُّ الناس جميعًا.
فإن عجزتُ أن أجد وطنًا في الواقع، فسأرسمه بالكلمة؛ وإن حاصرتني الحاشية، سأحاصرها بالحقيقة؛ وإن قالوا إن الصمت نجاة، قلت: بل إن الصمت أمام الظلم شهادةٌ للظالم على المظلوم.
وسيظل السؤال معلّقًا في سماء الوطن:
أيُّ وطنٍ هذا الذي تُحترم فيه صلة الأرحام أكثر من صلة الإنسان بالحق، وتُصان فيه كرامة الحاشية أكثر من كرامة المواطن؟
وطنٌ حسب البطاقة…
لكنني أبحث عن وطنٍ حسب الكرامة.