آخر تحديث :السبت-29 أغسطس 2026-08:59ص

حاشية السلطان

الثلاثاء - 18 أغسطس 2026 - الساعة 05:46 م
المحامي مختار راجح


إن الذي بيني وبين السلطان ليس حقًّا شخصيًّا، وإنما هو حقٌّ عامٌّ يُحتكم فيه إلى قواعد النظام ونظرية الالتزام؛ ولهذا فإنني أتوجه إلى كل الرجال الشرفاء، ابتغاءَ وجه الله، أن يُنصفوا المظلومين.


كنتُ مكروهًا أيام تولّي اللواء أبوبكر حسين، وهو خالي، ولم أجعل القرابة تأخذ من شرَفي الرفيع شيئًا. حملتُ لواءً ضد الفساد، وكانت الكراهية موجّهةً إليّ، وصُبّت عليّ الاتهامات. فهل تساءلتم: لماذا أنا بهذه العقلية؟ لماذا أضيّع فرصة التقرب من بلاط السلطان، ولو كان من ذوي صلة الأرحام، وأختار طريق المواجهة والبحث عن مواطن الخلل؟


لقد اتهمني بعض أبناء أبين بأن امتلاكي لقواطر تنقل البضائع إلى المحافظات الأخرى هو سبب تلك الحميّة. فيجب أن يعلم الجميع أن قواطري كانت تعمل في زمن منصور وادي، ولم يكن أحد يجرؤ على أخذ رسومٍ عنها، ومع ذلك لم أوقف حملتي حتى سقط منصور وادي، وتم ترشيح مروان باقص.


وهذا ليعلم الكل أنني أحمل رسالةً لهذا الوطن، موسومةً بأن النظام منهجي، والقانون ثقافتي، والبحث شغفي. أكتب بحوثًا ودراسات عن أي جرائم تتعلق بمخالفة النظام، ولذلك تراني أعشق البحث والتمحيص والتفحيص، كسجيةٍ ربانيةٍ في نفسي.


وبرغم علمي أن هذا الطريق قد يكون إنهاءً لمستقبلي مع السلطان، وأنني لو كتبتُ عنه بما يرضيه لحظيتُ بزنابيل اللؤلؤ والمرجان، وأصبحتُ مقرّبًا من ودّه، فإن هذه علّتي التي أقصتني كثيرًا، ولا أستطيع التخلي عنها.


ولهذا، فليعلم السلطان أن من ينصحه ويقف ضده حين يرى الباطل واقعًا عليه، هو الشخص الوحيد الذي سيكون إلى جانبه حين يحتاج إلى من يقول له الحقيقة.


إلى أخي الدكتور الرباش


أخي الدكتور الرباش، إن الفساد في زمن أبوبكر حسين كان محترمًا؛ لأنه كان ظاهرًا، ولم يكن مظلمًا، وكان كاشفًا عورته للجميع، من الشيخ إلى الرضيع، بحجة أن الدعم المركزي غير موجود.


أما الآن، يا أخي، فقد أصبح الفساد يعمل بطريقة الذكاء الاصطناعي؛ فاتخذ من الإعلام وسيلةً لتغطية الأعين وزراعة الأوهام.


ولهذا فإنني أمنحك جائزة وادي للتمرير؛ لأن هناك حاشيةً متلهفةً للوصول إلى هذه اللحظة منذ تعيينك. كانوا بالأمس يوافونني بكل السندات وكل التجاوزات من داخل الإدارة نفسها، وها هم اليوم يعاودون الكرّة مرةً أخرى، ليضعوك في مأزق، ويفضحوا كل إعلامك الذي اضطرّ بك أكثر مما أفادك.


إلى أخي الدكتور الحافظ


أخي الدكتور الحافظ، والمحافظ قد يكون حافظًا، لكن بنظري ليس محافظًا؛ لأن المسؤولية الإدارية لا تُفوَّض، وأنت تتحمل مسؤولية أي خطأ يرتكبه المرؤوس باعتبارك الرئيس، وهذا مبدأ سامٍ في قوانين الإدارة.


إنني أحاول أن أقنع نفسي بأنك رجل جديد على العمل الإداري، ولكنها تأبى.


فمدير مكتبك، وهو دكتور في القانون، هو من يسيّر المحافظة باطمئنانك إليه. ولقد رأيتُ ما رأيت.


لقد صدر قرار بتكليف مدير صندوق الموارد، وهو الشخص الذي كان سندي في مواجهة الفساد، والذي تواصلت معه بشأن هذه الجرائم. فقال: «أنا أشتغل بالنور»، وكان مفهوم كلامه أن كل أموره قانونية، ولا يهمه من الذي سيتورط.


فأجبته: أي نورٍ هذا وأنت تطبع الدفاتر بيدك من مطبعة الحظ؟ هل أنت أمام دولة ومنظومة مالية، أم أنك عامل حسابات في مطعم الشرق الأوسط؟


وأعود لأبيّن لك الحقائق القانونية:


إن كل ما نصّ عليه القانون من مهام وصلاحيات هو أمر متعلق بنظام الدولة، ولا تملك تغييره أو تعطيله. فتكليفك لمدير الموارد، وسحب صلاحيات جهاز منصوص على مهامه واختصاصاته في قانون السلطة المحلية، ثم إعطاؤه بالقرار صلاحية تعيين محصلين ممن يراهم من أهل الأمانة، كل ذلك يثير سؤالًا قانونيًا خطيرًا؛ لأنك بذلك تغيّر معالم نظام عام حدّد المشرّع فيه مهام مدير الصندوق وصلاحياته، لتأتي بنظام آخر.


ولهذا أوضح لك شيئًا من نظام الإدارة يجب أن تفهمه:


أنت لا تملك إلا الصلاحيات المنصوص عليها في قانون السلطة المحلية؛ لأنك تمثل سلطةً تنفيذيةً في وحدة إدارية وضع لها المشرّع نظامها. فلا تجعل نفسك مشرّعًا، بل اجعل نفسك منفّذًا للقانون؛ لأنك سلطة تنفيذية ولست سلطة تشريعية.


يا حافظ القرآن


واعذرني من القول: يا محافظ أبين.


لقد دُسّ السم في العسل، بإرادتك أو بغير إرادتك، من حاشيتك التي تنال نصيبها كل يوم من الإيرادات.


فهناك دفاتر يملكها مدير الموارد، وقد تُستخدم لحسابه الشخصي، لأنه أصبح الخصم والحكم، بعيدًا عن المنظومة المالية التي يجب أن تُصرف الدفاتر بموجب سند مخزني موقّع عليه من مدير المخازن، ومحددة فيه أرقام السندات.


لهذا، يا أخي الحافظ، اعذرني إن قلت لك: إنك إذا لم تعمل شيئًا تجاه ما اكتشفناه من ست جرائم، فإن هذا ليس رأيي وحدي، وإنما هو ما يراه كثيرون ممن يتابعون الأمر، وقد يفتح ذلك بابًا للاشتباه في مسؤوليتك ومسؤولية حاشيتك.


وهناك نقطة أخرى:


لماذا تُسلَّط الأضواء الإعلامية على كل عمل تقوم به وتظهره للناس، بينما لا تكشف لهم مبالغ الإيرادات وحجم المخزون المالي البنكي؟


إن هذا الأمر خطير جدًا، ولا حاجة لك به؛ لأنه لا يُظهرك بثوب الحريص على الشفافية.


إن الوالي الذي يقول إن كل ما يقوم به ابتغاء وجه الله، يجب أن يعلم أن الرياء والعدالة لا يتوافقان في كفّة ميزان واحدة.


أبين ليست مودية وحدها


نصيحتي لك أن تنظر إلى جميع أبناء أبين بوصفهم وحدةً بشريةً واحدة، وألا تختزل أبين في مودية؛ فمودية ليست إلا مركزًا تابعًا لمديرية خنفر قبل الوحدة، بينما تمثل خنفر مساحةً واسعةً من أبين، وأبناؤها جميعًا يستحقون العدالة ذاتها والاهتمام ذاته.


واستبدل حاشيتك التي جاءت مصابةً بالعطش إلى المناصب والمكاسب، ولا تجالس إلا الزاهد، بعد أن تمتحنه لتعرف مدى خشيته من الله، فإن أخطر ما يحيط بالمسؤول ليس خصومه، وإنما أولئك الذين يصفقون له حين يجب أن ينصحوه.


أبيات من النظم


«لا المجدُ يُبنى بالمديحِ وإنّما

يُبنى إذا نطقَ الضميرُ وقالا


إنّي رأيتُ الحقَّ دربَ كرامةٍ

فمشيتُهُ، ولو استثارَ نِزالا


ما ضرّني أن أُقصى عن أبوابكم

ما دام بابُ العدلِ لي لا يُغلقُ


إنّي إذا خافَ الرجالُ صراحتهم

جعلتُ من صوتِ الحقيقةِ صَولَةً


لا أبتغي من حاشيةِ السلطانِ ما

يجعلُ مديحي في الحياةِ نوالا


فالعدلُ إن غابَتْ عيونُ رُعاتِه

صارَتْ مناصبُنا وبالًا وثِقالا


والنصحُ للسُّلطانِ عهدُ كرامةٍ

لا منّةٌ تُرجى، ولا استجداءُ مالا


من قال للوالي الحقيقةَ صادقًا

أبقى له عند الشدائدِ ظِلّا


ومن استمالَ القومَ بالتزيينِ ما

أبقى له التاريخُ إلا ما انمحى


يا من تولّى الأمرَ، إنّك إنّما

ترعى أمانةَ شعبِك، لا ملكا


فاحذرْ حواشيَ من يبيعونَ الهوى

واجعلْ مخافةَ ربّك الحكمَ العَدلَا


إنّي حملتُ لواءَ حقٍّ لا أرى

في حملهِ إلا الكرامةَ والعلاء»