آخر تحديث :الثلاثاء-18 أغسطس 2026-02:13م

السلطة والمعارضة بين توظيف الشرعية المحلية واستغلال الشرعية الدولية.

الثلاثاء - 18 أغسطس 2026 - الساعة 01:19 م
د. جمال الهاشمي


ليست أزمة السياسة العربية في كثير من الحالات أزمة غياب للشرعية بقدر ما هي أزمة في مصادر الشرعية وتوظيفها. فالسلطة تتمسك بشرعية الداخل حين تكون قادرة على استخدامها في مواجهة خصومها، وتستند إلى الشرعية الدولية حينما تحتاج إلى حماية سياسية أو اعتراف خارجي.

وفي المقابل تلجأ المعارضة إلى الشرعية الشعبية عندما تمتلك قاعدة اجتماعية و لكنها قد تنتقل إلى طلب الدعم والاعتراف الخارجي عندما تعجز عن تحويل هذه القاعدة إلى تغيير سياسي فعلي.

وبين الطرفين يصبح الوطن ساحة صراع على تعريف الشرعية بينما يتحول الخارج إلى طرف غير مباشر في تحديد من يملك حق تمثيل الدولة ومن يملك حق التغيير.

إن المشكلة هنا ليست في الاعتراف الدولي من حيث المبدأ ولا في العلاقات الخارجية ولا في حصول القوى السياسية على دعم دولي.

فالدولة الحديثة لا تعيش في فراغ دولي يمكنها الخروج عن الاعتماد المتبادل والمصالح الدولية المشتركة و لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول الشرعية الدولية من عنصر مساعد للشرعية الوطنية إلى بديل عنها،أو عندما يصبح الاعتراف الخارجي أهم من القبول الداخلي.

إن الشرعية السياسية ليست وثيقة ثابتة تمنح صاحبها حقا دائما في الحكم بقدر ما هي علاقة متغيرة بين السلطة والمجتمع والمؤسسات.

قد تصل جماعة إلى الحكم عبر انتخابات أو دستور ثم تفقد جزءا من مشروعيتها نتيجة الفساد أو القمع أو العجز أو انهيار مؤسسات الدولة.

وقد تظهر معارضة خارج الإطار الدستوري لكنها تكتسب بمرور الوقت قاعدة اجتماعية تمكنها من تجسيد إرادة الشعب في السلطة.

كما أن الانتخابات وحدها لا تكفي إذا فقدت المؤسسات قدرتها على تمثيل المواطنين، والقوة العسكرية لا تؤسس بالضرورة شرعية وطنية، والاعتراف الدولي لا يستطيع أن يمنح سلطة ما قبولا اجتماعيا دائما وإنما قد يمنحه غطاء غير مباشر لفرض السلطة والشرعية بالقوة، ويستمر تحت مظلة الغطاء حتى ينزع عنه.


والاشكالية تكون في توظيف السلطة للقوى الدولية لحماية الداخل حينها تواجه السلطة أزمة الشرعية عندما تتراجع قدرتها على الإقناع الداخلي.

وفي هذه الوقت يصبح الاعتراف الدولي أداة مهمة للحفاظ على موقعها لتستمر في ممارسة فرض نفوذها ولكن على حساب الدولة واستقرارها أو استمرارها أو تجديد شرعيتها باحداث إصلاحات حقيقية لضمان بقاء شرعية الداخل .

إم الاعتراف الدولي قد يحافظ على استمرارية الدولة لكنه لا يعالج بالضرورة أزمة الحكم وقد يمنع سقوط المؤسسات لكنه لا يضمن إعادة بناء الثقة بين المجتمع والسلطة وهنا يظهر الفرق بين شرعية الدولة وشرعية السلطة.


حيث يجب ان تبقى الدولة . أما السلطة فهي قابلة للتغيير وهي من سنن التداول ولولا التدوال ما وصلت أنظمة الحكم إلى الحكم حيث أن هذه السنن تتناسب مع نفسيات الشعوب فإما أن تكون المجتمعات على المبادئ أو على الأهواء فإن صحت بالأول صلح أمرها وإن تمادت في الثاني ابتليت بحكامها.

ومن ثم وجب التمييز بين الدولة والسلطة ولكن عندما تختلط الاثنتان يصبح انتقاد السلطة انتقاد للدولة وهنا تتحول المطالبة بالإصلاح إلى تهديد للاستقرار ويقدم وفق هذه الفلسفة المحافظة على السلطة على المحافظة على مؤسسات الدولة.

والمعارضة كالسلطة فحينما تفشل في بناء قوة سياسية داخلية قادرة على إحداث التغيير تبدأ بالبحث عن منافذ خارجية؛ عواصم مؤثرة و مؤسسات دولية منظمات حقوقية وجماعات ضغط أو قوى إقليمية ومن ثم لا بد أن تتكيف مع قيم الآخر وتحطم كل المبادئ الدينية التي أوجدت به شعبيتها من داخل وهنا تظهر النظريات التوفيقية التوقيعية التي تؤكد أن قيم الغرب هي قيم الله في دين الإسلام لتمرير شرعية جديدة لتوظيف الدين دوليا واستثماره محليا.

وفي البداية يبدو الأمر مشروعا فالمعارضة تحتاج إلى التواصل مع العالم والدفاع عن قضيتها والحصول على الدعم السياسي والإعلامي ولكن الخط الفاصل بين التدويل والتبعية دقيق لا سيما وأنها عندما أسست فكرة المعارضة بنته على مفهوم السيادة والاستقلال ونقد تبعية الحكام وإن كان الحكام أقل تبعية منها ومن ثم حدث التنافس بين سلطة أدركت هذا التوظيف فقدمت من التبعية ما يعجز المعارضة عن اللحاق بها


والأصل انه عندما تستخدم المعارضة الخارج هو من أجل ايصال صوت المجتمع إلى العالم، وبهذا ووفق المنهج الديمقراطي تمارس نشاطا سياسيا طبيعيا.

أما عندما تبدأ في إعادة تعريف مصالحها الوطنية وفقا لما يريده الداعم الخارجي فإنها تدخل مرحلة تقدمية مختلفة تماما حيث تكون التقية السياسية مت أهم ادواتها في الخطاب الدولي عندها لم يعد من الممكن معرفة كيفية الاستفادة من الخارج لتحقيق التغيير إلا عبر استراتيجية جديدة لتحقيق مصالح الخارج من خلال التغيير.

وهذا التحول قد لا يحدث بصورة معلنة ولكنه يظهر تدريجيا في الخطاب وفي التحالفات وفي الأولويات السياسية.

ومع هذا فإن المتتبع لسنن التاريخ السياسي يدرك أن الخارج يستطيع التأثير بقوة في مسارات التغيير لكنه لا يستطيع صناعة شرعية وطنية مستدامة.

ويمكن للقوة الخارجية أن تضغط على سلطة أو تدعم معارضة أو تفرض عقوبات أو ترعى مفاوضات أو توفر غطاء سياسيا. لكنها لا تستطيع أن تعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

فالشرعية التي تأتي من الخارج تحتاج في النهاية إلى اختبار الداخل.

وهذا ما يجعل بعض مشاريع التغيير تنجح في إسقاط سلطة ما لكنها تفشل في إيجاد البديل لها كالثورات العربية التي هدمت معالم الدولة في صراع السلطة بين النظم القائمة والمعارضة.

إن إسقاط النظام السياسي أسهل في معظم الحالات وجلها من بناء نظام سياسي قادر على إدارة الدولة.

والفارق بين الأمرين هو الفارق بين الثورة على السلطة وإعادة بناء الدولة.

وتعد اليمن نموذجا واضحا لهذه الإشكالية.

فالصراع اليمني لم يعد صراع تقليدي بين سلطة ومعارضة حيث تعددت مراكز القوة وتداخلت الشرعية الدستورية مع الشرعية السياسية والشرعية المحلية مع الاعتراف الدولي والقوة العسكرية مع التمثيل الاجتماعي.

وأصبح السؤال الأكثر إيلاما من يمثل اليمن وأين من يتابع كلمات الحكمة في النقد أو التقييم؟

قد يكون هناك اعتراف دولي بجهة معينة بينما تمتلك جهات أخرى نفوذا فعليا على الأرض وقد تمتلك قوى سياسية قاعدة اجتماعية لكنها لا تملك مؤسسات الدولة وقد تمتلك قوى أخرى مؤسسات أو مواقع رسمية لكنها تعاني من محدودية قدرتها على ممارسة السلطة في كامل الجغرافيا الوطنية وهنا تظهر المفارقة.

قد أن تكون الجهة معترفا بها دوليا دون أن تكون قادرة على ممارسة السلطة فعليا ويمكن لجهة تملك القوة الفعلية أن تفتقر إلى الاعتراف الدولي لكن كلا الأمرين لا يكفي وحده لبناء دولة مستقرة.

فالدولة تحتاج إلى اجتماع ثلاثة عناصر؛ القدرة التي تترجمها الإرادة والقبول الذي يؤثر في الشعب ، والاعتراف الذي يوازن المصالح.

فإذا غاب أحدها تصبح الدولة عرضة لأزمة مستمرة في الشرعية والحكم.


إن مشكلة التغيير ليست دائما في تغيير الحاكم وإنما أخطر ما في النقاش السياسي العربي هو اختزال التغيير في استبدال الأشخاص.

قد يتغير الحاكم وتبقى قواعد إنتاج السلطة كما هي وقد تتغير الحكومة بينما تبقى الدولة ضعيفة.

وقد تسقط منظومة سياسية ثم تعود المنظومة نفسها بأسماء جديدة وقد تسيطر المعارضة بعقلية أسوأ من عقليات الحكم قبل الثورة .

بينما التغيير الحقيقي يبدأ عندما تتغير قواعد العلاقة بين السلطة والمجتمع.

وهذا يعني بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار وقضاء مستقل وإدارة عامة فعالة ومجال سياسي يسمح بالتنافس وآليات سلمية لتداول السلطة.

أما إذا كان التغيير عبارة عن انتقال للقوة من مجموعة إلى أخرى فإن النتيجة ليس دولة جديدة بل قد تكون فوضى محلية بأبعاد دولية .

ولا يمكن للدول العربية أن تعيش خارج النظام الدولي كما لا يمكنها بناء مستقبلها السياسي بالاعتماد الكامل على الخارج.

والمطلوب ليس عزل الداخل عن العالم ولا رفض الدعم الدولي وإنما إعادة ترتيب العلاقة بينهما.

حيث يجب أن يكون الخارج داعما للقرار الوطني وليس بديلا عنه.

ويجب أن يكون الاعتراف الدولي بناء على علاقة صحية ديمقراطية بين الدولة والمجتمع وليس غطاء لتعطيل الإصلاح.

كما يجب على المعارضة أن تدرك أن الحصول على اعتراف خارجي لا يعفيها من مهمة بناء شرعيتها داخل المجتمع.

فالسلطة التي تعتمد على الخارج لحماية موقعها قد تفقد الداخل والمعارضة التي تعتمد على الخارج للوصول إلى السلطة قد تصل إليها على حساب الاستقلال السياسي وفي الحالتين تكون الدولة هي الخاسر الأكبر.


ولا يكمن المخرج من هذه المعضلة في اختيار الشرعية المحلية ضد الدولية أو الدولية ضد المحلية لأن الشرعية الوطنية والاعتراف الدولي ليسا بالضرورة متعارضتين إذ تبرز المشكلة في فوضوية ترتيب العلاقة بينهما.

وهنا نؤكد أن الشرعية الوطنية يجب أن تكون المصدر الأساسي للحق السياسي بينما يأتي الاعتراف الدولي ليؤكد وجود الدولة ويتعامل معها في إطار القانون الدولي.

وعندما يحدث العكس يصبح الخارج طرفا في إنتاج السلطة وليس طرف في التعامل معها وهنا تبدأ أزمة الاستقلال السياسي.

ان التحدي أمام القوى المتصارعة تتجلى فيمن يستطيع بناء صيغة سياسية تجعل المواطن شريكا في إنتاج السلطة وليس متلق لنتائج الصراع عليها وأحد ادواتها في عسكرته.

هذه هي النقطة التي تفشل عندها كثير من مشاريع التغيير.

فالسلطة التي ترفض مراجعة شرعيتها الداخلية والمعارضة التي تبحث عن شرعيتها خارج حدودها تلتقيان دون أن تدركا دورهما في إضعاف المجال الوطني الذي يفترض أن يكون الحكم النهائي بينهما.

ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين الداخل والخارج وإنما بين إرادة وطنية قادرة على إنتاج التغيير وإرادات سياسية تجعل من الخارج بديلا عن عجز الداخل.

وفي نهاية المطاف لا تستقر الدول عندما ينتصر طرف على آخر، وإنما عندما تصبح شرعية الحكم أكبر من الأشخاص وأقوى من الجماعات وأكثر استقلالا من الحسابات الخارجية.

عندها فقط يتحول التغيير من تداول للسلطة إلى بناء للدولة.