لم تكن الحرب مجرد صراع على الأرض أو الس
لطة، بل كانت زلزالًا اجتماعيًا عميقًا أعاد تشكيل بنية المجتمع، فأفرزت تحولات طبقية حادة؛ صعد خلالها أشخاص إلى قمة الثراء والنفوذ، بينما تهاوت طبقات أخرى كانت تمثل عصب الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
خلال سنوات الحرب ظهرت طبقة جديدة من الأثرياء، لم يكن صعود كثير منهم نتيجة إنتاج اقتصادي أو مشاريع تنموية، بل ارتبط بعضه بمواقع النفوذ والسيطرة والفرص التي خلقتها الفوضى. في المقابل، فقد عدد من رجال
الأعمال والموظفين وأصحاب المهن قدرتهم على الصمود، وانكمشت الطبقة الوسطى التي كانت تشكل التوازن بين الفقر والثراء.
لقد أصبح الوصول إلى السلطة في بعض الحالات طريقًا سريعًا نحو الثروة الفاحشة، بعدما تحولت المناصب العامة من مسؤولية لخدمة المجتمع إلى وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية عند بعض المتنفذين. وأصبحت الشعارات السياسية والقضايا الوطنية أحيانًا مجرد واجهة يستخدمها البعض للصعود الاجتماعي وتحقيق النفوذ، بينما يدفع المواطن البسيط ثمن هذه التحولات من معيشته ومستقبله.
وفي خضم هذه التحولات، برزت ظاهرة أكثر خطورة، وهي تسيد أشخاص وصفهم بعض الصحفيين المخضرمين في كتاباتهم السابقة بأنهم "قاع المجتمع"، حيث وجدوا في ظروف الحرب فرصة للانتقال من الهامش إلى مواقع التأثير، ليس عبر الكفاءة أو الإنجاز، بل عبر الولاءات وشبكات المصالح.
إن أخطر ما خلفته الحرب ليس فقط الدمار المادي، بل انهيار القيم التي كانت تحكم المجتمع؛ فتراجعت معاني الوطنية، وأصبح الانتماء عند البعض وسيلة للمصلحة وليس مبدأ للتضحية والبناء. وعندما تصبح القضايا الكبرى م
جرد أدوات للتسلق، يفقد المجتمع ثقته بالنخب وبالمؤسسات.
إن إعادة بناء الوطن لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار المدن، بل تحتاج إلى إعادة بناء القيم الاجتماعية، وإحياء دور الطبقة الوسطى، وترسيخ مبدأ أن المكانة تُكتسب بالعمل والكفاءة وخدمة الناس، لا باستغلال الأزمات وتحويل معاناة الشعوب إلى فرص للثراء والنفوذ.