آخر تحديث :الثلاثاء-18 أغسطس 2026-02:13م

اختزال اليمن في البحر الأحمر: قراءة في السيكولوجيا السياسية للموقف الأمريكي

الثلاثاء - 18 أغسطس 2026 - الساعة 07:17 ص
محمد عثمان الابجر


حين يصرح مسؤول أمريكي لشبكة فوكس نيوز:

"واشنطن تجري حواراً متواصلاً مع السعودية وحكومة الجمهورية اليمنية بشأن الاستقرار الإقليمي"

وحين يضيف مسؤول في البيت الأبيض:

"الولايات المتحدة تتوقع من جماعة الحوثي مواصلة الالتزام بشروط وقف إطلاق النار"

فإن السؤال الذي يتبادر لدينا هو : كيف نقرأ هذه التصريحات كترجمة سيكولوجية للموقف الأمريكي من القضية اليمنية؟

أولاً: اختزال الأزمة

الخطاب الأمريكي السائد يعكس رؤية تختزل اليمن إلى "ملف إقليمي" عنوانه: أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة.

وهنا يتم دفع القضية اليمنية إلى هامش المشهد مع الأسف

بمعنى آخر أميركا تنظر إلى اليمن كمصدر تهديد للممرات الدولية، لا كدولة تعاني من انقلاب على مؤسساتها وصراع على السلطة.

ثانيا: إخفاق الدبلوماسية اليمنية في اقتناص الفرصة

هذا الاختزال يؤكد أن دبلوماسيتنا لم تتمكن من ربط "أمن البحر" بـ "أصل المشكلة".

كان ينبغي على وزيرة الخارجية ومندوب اليمن في مجلس الأمن التمسك الصريح بمكتسبات القرارين ٢١٤٠ و ٢٢١٦ والدفع بأن:

أمن البحر الأحمر هو نتيجة لمعالجة القضية اليمنية من جذورها.

وأن استقرار الملاحة بشكل دائم لن يتحقق ما دام التهديد الحوثي الداخلي قائماً، بسلاح خارج إطار الدولة ومنطق العصبية العرقية والطائفية.

احتواء الهجمات في البحر لا يصنع سلاماً مستداماً، وجذور الحرب والانقلاب لا تزال قائمة.

ثالثا: النقص في بيان الحكومة لمجلس الأمن

ما لاحظناه في البيان الأخير للحكومة أمام مجلس الأمن هو غياب فقرة جوهرية.

كان يجب الإشارة صراحة إلى أن

ميليشيا الحوثي الإرهابية تنتهج سلوكاً عدائياً ممنهجاً تجاه دول الجوار الإقليمي، وتتعمد الإساءة للعلاقات التاريخية للجمهورية اليمنية مع محيطها العربي والدولي، مما يشكل تهديداً مباشراً للأمن والسلم الإقليميين ويقوض جهود بناء الثقة"

لماذا هذه الفقرة ضرورية؟

١. توثيق الضرر العابر للحدود: استهداف السعودية والإمارات وخليج عدن يحول القضية من "شأن داخلي" إلى "تهديد دولي" بامتياز أمام مجلس الأمن.

٢. حماية العمق الاستراتيجي: عندما تقول الحكومة "الحوثي يدمر علاقاتنا مع الجوار" فهي ترسل رسالة: "لا تفاوضوا معه على حسابنا".

٣. سند قانوني للفصل السابع: الاعتداء على دول الجوار يمثل تهديداً للسلم الإقليمي، وهذا يقوي موقف الحكومة في أي قرار أممي قادم.

لقد حذرنا سابقاً في سلسلة مقالاتنا التحليلية عن "اتساع دائرة التأثير للبحر الأحمر" من مخاطر اجتزاء القضية اليمنية.

وها هي التصريحات الأميركية اليوم تؤكد ذلك: البحر مقدم على الدولة، والملاحة مقدمة على السيادة مع الأسف.