آخر تحديث :الخميس-10 سبتمبر 2026-01:30م

ماذا يريد ترامب من تحالف مكة؟ وماذا سيحدث لليمن إذا تغيّرت قواعد اللعبة بين واشنطن وطهران؟

الثلاثاء - 18 أغسطس 2026 - الساعة 07:07 ص
محمد خالد الحسيني


ماذا لو كان أخطر ما يجري في المنطقة ليس الصاروخ الذي ينطلق من اليمن، ولا التهديد الأمريكي لإيران، ولا حتى الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، بل اللحظة التي بدأت فيها كل هذه الملفات تلتقي في نقطة واحدة؟

الشرق الأوسط يتحرك بسرعة، والتحالفات تعاد صياغتها، والخصوم يتفاوضون وهم يهددون بعضهم بالحرب، والحلفاء يبنون لأنفسهم مظلات أمنية جديدة، بينما تبدو إسرائيل أقل قدرة من السابق على فرض إيقاعها على الإقليم.

وفي قلب هذه الصورة تقف اليمن، فوق أهم ممرات العالم وأكثرها حساسية: باب المندب، فماذا يريد ترامب فعلاً من «تحالف مكة»؟

ولماذا يرحب بتحالف يبدو ظاهرياً وكأنه يمنح السعودية وتركيا وباكستان استقلالاً أكبر عن واشنطن؟

وهل يناور مع إيران أم يستعد لحرب جديدة؟ وإذا تغيرت قواعد اللعبة بين واشنطن وطهران، فماذا سيحدث لليمن؟

ربما تكون الإجابة في مكان آخر تماماً: ترامب لا يريد التخلي عن حلفائه، بل يريد إعادة تعريف علاقتهم بأمريكا؛ لا يريد الحرب بالضرورة، لكنه يريد أن تبقى الحرب احتمالاً حاضراً؛ ولا يريد أن تكون اليمن هامشاً في الصراع، لأن باب المندب قد يصبح أحد أهم مفاتيح المرحلة المقبلة.

ربما لا تكون الصواريخ الخمسة التي أطلقها الحوثيون باتجاه البحر الأحمر هي أهم ما حدث في المنطقة اليوم، لكنها بالتأكيد من أكثر الأحداث التي تكشف ما يجري خلف المشهد.

فاليمن لم يعد مجرد ساحة حرب داخلية بين الحوثيين والحكومة اليمنية، ولا مجرد ملف مؤجل على طاولة المفاوضات.

اليمن يقع الآن عند نقطة تتقاطع فيها حسابات إيران والولايات المتحدة والسعودية وتركيا وباكستان، ويلتقي فيها مضيق هرمز بباب المندب، والطاقة بالتجارة، والحرب بالدبلوماسية.

ولهذا فإن السؤال: «هل ترامب يناور أم يستعد للحرب؟» قد تكون إجابته الأقرب إلى الواقع: يفعل الأمرين معاً، لكن ليس بالضرورة بالقدر نفسه. هو يريد أن يجعل إيران تخشى الحرب حتى لا يضطر إلى خوضها.

فالولايات المتحدة تستطيع عسكرياً إلحاق أضرار هائلة بإيران، لكن القدرة على ضرب إيران شيء، والقدرة على إنهاء الحرب بالشروط الأمريكية شيء آخر.

إيران دولة واسعة، تملك صواريخ وطائرات مسيرة وشبكات إقليمية وقدرة على تهديد الملاحة والطاقة، ويمكنها توزيع كلفة الحرب على أكثر من ساحة.

لذلك فإن «الحرب الحاسمة» قد تكون حاسمة عسكرياً، لكنها ليست بالضرورة حاسمة سياسياً، وقد يكون باب المندب أول مكان تدفع فيه المنطقة ثمن الخطأ في الحساب.

وهنا تتصل اليمن بغزة وإسرائيل أيضاً. فترامب يريد دفع خطته في غزة، ويحتاج لإنجاحها إلى تفاهم مع السعودية وتركيا وقطر ومصر وبقية القوى العربية والإسلامية، لا إلى الاعتماد على إسرائيل وحدها.

وفي المقابل، تبدو الحكومة الإسرائيلية أكثر تمسكاً بشروطها العسكرية والسياسية، ما يخلق فجوة متزايدة بين الرؤية الإسرائيلية وبعض ما تريده واشنطن.

وهذا لا يعني أن إسرائيل خرجت من الحساب الأمريكي، لكنه يعني أن قدرتها على تحديد شكل المعادلة الإقليمية لم تعد كما كانت.

فالشرق الأوسط الذي يتشكل الآن لا يبدو شرق أوسط إسرائيلياً، ولا أمريكياً خالصاً، ولا إيرانياً، إنه شرق أوسط تتنافس فيه عدة قوى على صناعة التوازن، فيما تحاول الولايات المتحدة أن تبقى القوة التي تدير التوازن.

حتى روسيا دخلت على هذا الخط، وإن من بوابة مختلفة. موسكو توسع حضورها في أفريقيا، وتبني علاقات أمنية جديدة، وتواجه أوروبا في ملف العقوبات والطاقة والملاحة. وما تقوله موسكو عن السفن وطرق التجارة ليس منفصلاً تماماً عما يجري في البحر الأحمر وهرمز: العالم يدخل مرحلة يصبح فيها الميناء والمضيق والسفينة والعقوبات جزءاً من أدوات الصراع مثلها مثل الصواريخ. السعودية تبني شبكة أمان، تركيا توسع هامشها، باكستان تبحث عن توازن، إيران تحاول استخدام أوراقها قبل أن تفقد قيمتها، أمريكا تضغط وتتفاوض وتلوّح بالقوة، وإسرائيل تحاول الحفاظ على أكبر قدر ممكن من مكتسباتها، فيما تستثمر روسيا في الفراغات التي يتركها الصراع. وفي المنتصف تقف اليمن.

ليس باعتبارها الحلقة الأضعف فقط، بل باعتبارها الحلقة التي تصل إيران بالخليج، والسعودية بالبحر الأحمر، وهرمز ببن المندب، والحرب بالتجارة، والدبلوماسية بالتصعيد. ولهذا فإن النظر إلى اليمن بوصفها «مشكلة داخلية» لم يعد كافياً.

إذا نجحت واشنطن وطهران في التوصل إلى صفقة، فسيكون على الصفقة أن تمر باختبار اليمن.

وإذا فشلت المفاوضات، فستكون اليمن من أولى الساحات المرشحة لدفع الثمن. وإذا قرر ترامب الذهاب إلى الحرب، فقد تصبح اليمن إحدى أهم أدوات الرد الإقليمي على تلك الحرب.

وإذا استمر في المناورة بين الضغط والتفاوض، فستبقى اليمن ورقة مفتوحة إلى أن تتضح قواعد اللعبة الجديدة.

لذلك فإن السؤال الأهم لم يعد: هل سيضرب ترامب إيران؟ السؤال الأعمق هو: إذا تغيرت قواعد اللعبة بين واشنطن وطهران، من سيعيد ترتيب اليمن؟ فالذي يعاد تشكيله الآن ليس ميزان القوى في اليمن وحده، بل موقع اليمن نفسه داخل ميزان القوى في المنطقة.

ومن يقرأ الصواريخ التي تسقط قرب المخا باعتبارها مجرد قذائف في حرب يمنية، قد يفوته المعنى الأكبر: باب المندب بدأ يدخل غرفة صناعة القرار الإقليمي، واليمن لم يعد على هامش المعادلة .. بل أصبح أحد مفاتيحها.