آخر تحديث :الثلاثاء-18 أغسطس 2026-02:13م

العولقي.. وفاء لقلم لم يطلب الوفاء

الإثنين - 17 أغسطس 2026 - الساعة 10:51 م
سامر سمير


حين تصقل التجربة الكلمة، ويمنحها صاحبها من عمره وشغفه وصدقه، لا يعود الحرف مجرد سطور تُكتب، بل يصبح أثراً يختزل صاحبه، ويمنحه مكانته في ذاكرة المهنة ووجدان قرائه، وتلك القيمة لا تُقاس بكثرة ما كتب، بقدر ما تُقاس بما أضافه هذا القلم، وما يتركه من أثر يظل حاضراً مع مرور السنوات.


بهذا المعنى، ارتبط اسم الأستاذ محمد العولقي بالصحافة الرياضية اليمنية والعربية على الدوام، فقد امتلك على مدى عقود تجربة ثرية وقلماً له حضوره ولغته الخاصة، وظل قريباً من تفاصيل المشهد الرياضي، يقرأ ما وراء الخبر، ويمنح الحدث مساحة أوسع من مجرد نتيجة أو رقم، ولم تكن كتاباته نقلاً للوقائع فحسب، بل كانت جزءاً من صحافة نظيفة تنظر إلى الرياضة باعتبارها ثقافة ومجتمعاً وحكاية إنسانية.


ومع هذه التجربة الممتدة، رُسّخت استثنائية حضوره في ذاكرة جيل من الرياضيين والإعلاميين والقراء، لرجل عاش تفاصيل المهنة في مراحلها المختلفة، وراكم من المعرفة والخبرة ما جعل من حديثه امتداداً طبيعياً للتاريخ، بذاكرته التي تختزن أسماء وملاعب وأحداثاً ومواقف، وقلمه الذي يحمل أثر سنوات طويلة من الممارسة والاحتكاك بالمشهد الرياضي.


ذلك الحضور الطويل، وما تركه العولقي في ذاكرة الصحافة الرياضية، هو ما يجعل حديثي عنه اليوم مختلفاً، بدافع حديث ليس لإبراز ما هو بارز عنه أصلاً، ولا لإضافة شيء إلى مكانته التي رسختها سنوات عطائه، وإنما لما نشر من خلال ما سطره بعض الزملاء عن الوعكة الصحية التي يمر بها منذ فترة ليست ببسيطة.


فالعولقي، الذي اعتاد أن يكون قلمه حاضراً للحديث عن الآخرين، يواجه اليوم تعبه وحيدا بعيداً عن الأضواء، بصمت وعزة نفس، دون أن يفتح باباً للشكوى أو يجعل من معاناته حديثاً للناس، بطبع عرفناه فيه، يحمل كبرياء هادئ وعزة نفس، لا تزال حاضرة حتى في أصعب لحظاته.


ولأن الوفاء الحقيقي لا ينتظر الغياب، فإن من منح الآخرين كلمته في وقت سابق، يستحق أن يُقابل بالتقدير وهو حاضر بيننا، وأن يجد من يلتفت إلى حاله ويقف إلى جواره حين تثقل عليه الأيام، وعلى الرغم من أنه لا يطلب شيئا، فذلك لا يعفينا من واجب السؤال عنه والاهتمام به، فالتكريم الأصدق أن يصل إلى صاحبه في حياته، والكلمة الأوفى أن تقال في وقتها، والوفاء الحقيقي أن نكون إلى جانبه في مثل هذه الظروف، ولا يبقى أصدق من أن نقول:


إليك أستاذنا، نسأل الله أن يخفف عنك، ويمنّ عليك بالشفاء والعافية، ويمدّك بالعمر المديد.