شرعنة النهب تكميم الضحية وتلويث الفطرة
عندما يصبح الجاني هو القاضي والمظلوم هو المدان تكتمل أركان الجريمة الأخلاقية ذلك ما حذر منه الخالدي حين شخّص تحول الفساد إلى مؤسسة وثقافة .
في هذا الجزء الوسط من القصيدة ينقلنا الشاعر من مجرد الوصف العام لانقلاب الموازين إلى تشريح بنية الفساد الجريئة حيث ينشأ مناخ يحمي اللصوص ويجرم الأبرياء ويغلف النفاق العفن برائحة البخور واللبان .
خلقت الجشع يرتاح راحه بلا قلق ... وسخرت رزقه من فلانه من فلان
جعلته يمد اليد لا حيث ما تسق ... ويبطش بها ذي له بالاظفار والبنان
ويخبق بها مسموح من حيث ما خبق ... ويصبح بها الجاني بذاته وانا المدان
صور بلاغية جبارة تصف الفاسد الحاكمة سلوكياته بالجشع يدخل بلا قلق ولا رادع قانوني أو أخلاقي يمتد بطشه إلى أموال الناس ( فلانة وفلان ) ويخرق القانون ( يخبق مسموح ) أينما يشاء والمأساة الكبرى تكمن في قلب معادلة العدالة يخرج الجاني سالماً مكرماً بينما يُساق الضحية أو الشاكي إلى دائرة الاتهام .
تجارة قضايا بالبيس قال خذ تلق ... وكم هي قضايا ذي بتخفى ولا تبان
تشم العفن كله نتانه وأن صدق ... بخوره وعطره لا نفح تروحه لبان
يفضح الخالدي ظاهرة "سماسرة القضايا الذين يقتاتون على مآسي الشعوب وأزمات الوطن ويستخدم الشاعر حاسة الشم في تشبيه رائع مهما حاول الفاسد التجمّل أو التغطي بالشعارات العذبة ( البخور والعطر واللبان ) فإن رائحة العفن والفساد تزكم الأنوف ولا يمكن التغطية عليها .
وبالصمت قد يدخل مع الفاسق السمق ... ويصبح هو الجاني بذاته وانا المدان
يعتبر الشاعر أن صمت الأخيار والعلماء والأحرار في وقت التردي ليس حكمة بل هو تواطؤ غير مباشر يجعل الصامت شريكاً للفاسد وضحية له في آن واحد .
الإسقاط المعاصر واقعنا بين الأمس واليوم
تجريم المظلوم واحتكار الحقيقة كم نرى اليوم في مؤسساتنا وواقعنا الاجتماعي تحوّل المطالب بحقه أو الموظف المنادي براتبه أو المواطن الصارخ من الغلاء إلى متهم بشق الصف أو إثارة الفتنة بينما يُكافأ المتسبب في المعاناة .
المتاجرة بالمعاناة والأزمات تحولت ملفات الخدمات القومية والأزمات الإنسانية إلى تجارة بيس ومواسم للتكسب السياسي والمالي على حساب آلام البسطاء .
(يتبع في الحلقة الأخيرة النداء لـ نشوان وحسرة العمر الضائع)