في كلمات الفنان أحمد بن أحمد قاسم وشعر لطفي جعفر أمان نلتقي بصوت لا يغني للأرض فحسب، بل يتنفس بها. صوتٍ يخرج من الحلق مثقلاً بالعرق والغربة والحنين، فيسقط على مسامعنا كالمطر الثقيل على تراب عطشان.
وهنا تحديداً تقع قصيدة "يا مزهري الحزين" التي حملت عنوان "في موكب الثورة"، ضمن ديوان "إليكم يا إخوتي" للشاعر والأديب اليمني الراحل لطفي جعفر أمان، والصادر عام 1969. كتبها الشاعر بمناسبة احتفالات الاستقلال الوطني، فتحولت لاحقاً إلى عمل غنائي خالد من ألحان وأداء الفنان أحمد بن أحمد قاسم، فصار النشيد جسداً والصوت روحاً.
في هذا النص لا يكون الوطن خلفيةً للحكاية، بل هو الحكاية ذاتها. جسدٌ ممتد من نبض الإنسان إلى نبض الحقول، من وجع الكتف الذي انحنى إلى خضرة السنبلة التي قامت. تقرأ الأبيات فتشعر بانتماء مطلق لا يعرف المسافة بين "أنا" و"نحن"، حيث يذوب الفرد في ملامح الأرض كما يذوب الملح في الماء، فلا يعود يرى نفسه إلا فيها، ولا تراه الأرض إلا منه.
تقول الكلمات:
هذه بلادي... ملكي أنا.
لا يقولها لسانٌ فحسب. يقولها عرقٌ سال في تربتها حتى صار نهراً صغيراً. تقولها يدٌ حرثت صخرها حتى لان، وظهرٌ تقوس تحت الشمس فصار ظلاً للنخيل. خيراتها مني، من كفي الذي غرس، ومن الحلم الذي دفنته في كل شبر. ومن خيراتها أحيا أنا: أشرب من نهرها فأرتوي، وأتنفس من ترابها فأقوى، وأستظل بنخيلها فأجدني.
إنه مشهد أدبي يصوغ الهوية من طين وتعب وعطاء. يستحضر روح الأصل، ويعيد للكلمة معناها الأول: أن الإنسان ليس زائراً على أرضه، بل هو امتداد لها. ما يزرعه يعود إليه حياة، وما تأخذه منه الأرض ترده إليه غناءً وذاكرة وانتماء.
لكن الحزن هنا أنه حين تذوب الذات في تراب الوطن، يصبح الرحيل موتاً مرتين. موت الجسد بعيداً، وموت الروح وهي ترى يداً أخرى تحصد ما زرعته، وصوتاً آخر يغني بأغنيتها. لا نفصل بين العامل والثمرة، ولا بين الحالم والتراب. نرى إنساناً كاملاً واقفاً على أرضه، يفهم أن الحرية تبدأ من جذور ضاربة في العمق، وأن العطاء الحقي هو أن تعطي الأرض منك، فتعطيك هي كل شيء.
أنا منها كما الثمرة من الشجرة. وإن جدتُ لها، جادت لي. وإن غبتُ عنها، ظللتُ أناديها في المنام: هذه بلادي... ملكي أنا.
فيرد الصدى من بعيد، بارداً، كأنه صوت ترابٍ يبكي من لا يسقيه.