ليست الحاشية التي يقصدها الكاتب السياسي المعروف سيف الحاضري في مقاله عن الحاشية والسقوط، مجرد مجموعة من المقربين من صاحب القرار، بقدر ما هي تلك البطانة التي عرفتها قصور الحكم منذ قديم الزمان، وكانت في كثير من التجارب سببًا في صلاح الملوك أو خراب البلدان؛ إذ إن الحاكم لا يرى كل شيء بعينيه، وإنما يرى جانبًا كبيرًا من واقعه عبر من يحيطون به، فإن صدقوا معه أناروا له الطريق، وإن نافقوه قادوه إلى حيث لا يريد.
وقد أجاد الرسول صلى الله عليه وسلم في وصف أثر هذه البطانة، حين قال: «ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة لا تألوه خبالاً (تأمره بالشر)، فمن وقي شرها فقد وقي».
ومن هنا تبدو خطورة الحاشية حين تتحول من دائرة استشارة إلى دائرة نفوذ، ومن نقل الحقيقة إلى صناعة الحقيقة التي يريدها صاحب القرار، ومن النصيحة إلى التبرير، ومن المصارحة إلى مقولة «تمام يا فندم».
وفي هذا السياق، استعرض الكاتب، في مقال له أمس على «منبر الأخبار»، جانبًا من تاريخ السقوط السياسي لرؤساء اليمن منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، متوقفًا عند تجربتي اثنين منهم، الزعيم علي عبدالله صالح والرئيس عبدربه منصور هادي، في قراءة عامة لأسباب السقوط، يقدمها رجل كان قريبًا من صناعة القرار والقيادة، ومطلعًا على كثير من تفاصيلها الداخلية.
ووجّه الحاضري في ختام مقاله نصائح مهمة إلى فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، دعاه فيها إلى تجنب الأسباب التي قادت سلفيه إلى نهايتهما السياسية، وفي مقدمتها عدم الإفراط في الاعتماد على مراكز النفوذ الداخلي على حساب علاقاته ومصادر قوته الخارجية.
غير أن النصيحة، في تقديري، تظل بحاجة إلى استكمالها بأهمية تحقيق التوازن بين الثقلين الداخلي والخارجي؛ فالقائد لا يستطيع أن يصنع قرارًا مستقلًا إذا ارتهن لأحدهما بالكامل، كما أن امتلاك مساحة متوازنة للحركة بينهما يمنحه قدرة أكبر على المناورة، ويجنبه الميل الحاد نحو طرف على حساب آخر، بما قد ينعكس سلبًا على القيادة والقرار معًا.
و ابتعد الحاضري، في قراءته لأسباب السقوط، عن تناول الدور الذي تلعبه القوى الدولية في صناعة الأنظمة السياسية و تحديد مساراتها ومآلاتها، وهي قوى تجيد، في كثير من الأحيان، تحديد مدة صلاحية الأنظمة، ودفعها تدريجيًا نحو نهاياتها، ثم تقف بعيدًا لتقول: «إني بريء مما تصنعون».
لكن الأهم والأجمل في نصائح سيف للرئيس العليمي، تلك المتعلقة بعلاقته بالجيش الوطني؛ إذ دعاه إلى بناء علاقة قيادية من نوع مختلف مع المؤسسة العسكرية، تتجاوز حالة الاقتراب من بعض فصائلها، وتؤسس لعلاقة أكثر توازنًا مع الجيش باعتباره مؤسسة وطنية، لا مجرد مراكز نفوذ متفرقة.
ومن هنا تأتي أهمية التحذير من العودة إلى ثقافة «تمام يا فندم»، تلك الثقافة التي عطّلت النقد، وأغلقت أبواب المراجعة، وجعلت كثيرًا من أصحاب القرار يسمعون ما يرغبون في سماعه، لا ما ينبغي أن يسمعوه، فكانت النتائج في أحيان كثيرة أثقل من قدرة البلاد والعباد على تحملها.
ولعل النصيحة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى الرئيس العليمي هي أن يستمع إلى الأصوات الناقدة، وإلى من يختلفون معه، وإلى من يرفضون بعض التصرفات والسياسات، لا إلى من يكتفون بتأكيد أن كل شيء «تمام يا فندم».
فالقيادة لا تقوى بمن حولها من المصفقين، وإنما بمن يملكون شجاعة قول الحقيقة في الوقت الذي يصبح فيه سماعها ضرورة.
وربما كانت هذه هي الخلاصة الأهم من نصائح.