آخر تحديث :السبت-29 أغسطس 2026-08:59ص

رسالة وطن .. ألا يخجلُ أحدٌ منكم؟

الجمعة - 14 أغسطس 2026 - الساعة 11:28 م
المحامي مختار راجح


يا موطني، ياموطنَ الفكرِ الذي

فيه العباقرُ قد أضاعهمُ السلطانُ

أينَ العلماءُ؟ وأينَ أهلُ حكمةٍ

صاروا على أبوابِكم غرباءَ في الأوطانِ؟

إليكم أيها السادة، إليكم...

ألا يخجلُ أحدٌ منكم ومن نهجكم؟

إليكم أيها السادة، يا من وليتم أمر المؤسسات، ويا من أمسكتم بمفاتيح القرار؛ أقولها لا حقدًا، ولا طلبًا لمصلحة، وإنما غيرةً على وطنٍ أصبح يضيع فيه أهله حين لا يكونون من أهل القرب، ويُرفع فيه القريب ولو لم يكن من أهل الكفاءة.

أيُّ وطنٍ هذا الذي يُهمَل فيه العالم، ويُقصى المفكر، ويُنسى الأديب، ويُترك العبقري على قارعة الطريق، بينما تُفتح أبواب المؤسسات لمن أتقن فن الاقتراب من السلطان؟

لقد أصبح المشهد مؤلمًا؛ فالثائر حين ينتصر يصبح عند البعض حكيمًا، والمقرّب يصبح حاكمًا للمؤسسة، والصوت العالي يصبح دليل قوة، بينما صاحب العلم والخبرة والاستقلال يُدفع إلى الظل لأنه لم يتقن لغة التملق.

أيها السادة...

إن السلطان الحقيقي لا يخاف من العلماء، بل يستنير بعقولهم، ولا يخشى العباقرة، بل يجعلهم أعمدة دولته. والمؤسسات ليست مزارع خاصة، ولا جوائز تُوزع على المقربين، وإنما هي أمانة في أعناق من يتولونها.

فماذا سيقول التاريخ حين يسأل عن عالمٍ أهملتموه؟

وماذا سيقول حين يبحث عن عبقريٍ أضعتم فرصته؟

وماذا سيقول حين يجد أن معيار الصعود لم يكن العلم ولا الكفاءة، وإنما القرب والولاء؟

إن أخطر ما يصيب الوطن ليس الفقر وحده، ولا قلة الموارد، وإنما أن تضيع فيه قيمة الإنسان، وأن تختلط عند أهله مقاييس الاستحقاق، فيصبح الجاهل كبيرًا لأنه انتصر، ويصبح المقرّب مسؤولًا لأنه قريب، ويصبح العالم غريبًا لأنه لم يبع عقله.

يا أيها السادة...

لا تجعلوا انتصار الأمس سببًا لظلم اليوم، ولا تجعلوا القرب من السلطان سلّمًا لإقصاء أصحاب الكفاءة.

فالكراسي زائلة، والمناصب عابرة، أما الكلمة والعلم والفكر فتبقى.

أنصفوا علماءكم قبل أن يرحلوا، وأكرموا عباقرتكم قبل أن يهاجروا، وافتحوا مؤسساتكم للكفاءة قبل أن يأتي يومٌ لا تجدون فيه من يستحق أن يحمل راية الوطن.

فالوطن لا يبنى بالمقربين وحدهم، ولا يحيا بالتصفيق، ولا تنهض مؤسساته بالجاهل المنتصر.

الوطن يبنى بالعقول.

ويحفظه الشرفاء.

وترفعه الكفاءة.

ويخلده التاريخ حين ينصف أبناءه.

إليكم أيها السادة، إليكم...

ألا يخجل أحدٌ منكم ومن نهجكم؟

فهذا ليس سؤال قلمٍ غاضب، بل سؤال وطنٍ موجوع؛

وطنٍ يسأل أبناءه:

أين علمائي؟ أين مفكروَّ؟ أين عباقرتي؟ ولماذا أصبح القرب من السلطان أقصر طريق إلى المجد؟

إنها رسالة وطن...

فهل من قلبٍ يسمع، وسلطانٍ يراجع، ومسؤولٍ يخجل، ودولةٍ تعيد للعقل مكانته؟