آخر تحديث :الأحد-06 سبتمبر 2026-02:39م

أغلال من حرير فساد "الإعاشة" عبودية السلطة

الجمعة - 14 أغسطس 2026 - الساعة 10:07 م
عبدالكريم الدالي


لا تتغير وظيفة الأغلال بتغير المادة التي تصنع منها ، فالقيد يظل قيداً وإن صنع من رداء الحرير ، ففي الجغرافيا المنهكة بمعاول العمالة ، توزّع القيود بدقة هندسية خبيثة فالحديد الخشن لتركيع المواطن البسيط ، والحرير الناعم لتكبيل النخب الحاكمة وسلب إرادتها ، فيبقى القيد في جوهره مكبلاً للحرية ومصادراً للإرادة ، سواء صنع من حديد خشن أو غُزل من حرير ناعم ، والمفارقة الصارخة في الأوطان المنهكة ، والمستهدفة بمعاول العمالة والارتزاق ، هي في هندسة هذه الأغلال فالحديد يُترك لعامة الشعب قيودا للقمع والتطويع ، بينما الحرير يُنسج بدقة لتكبيل رجالات السلطة والنخب الحاكمة .

إن قيود الحرير النخبوية ليست تكريماً ، بل هي ذروة الاستلاب إذ تحرم أصحاب القرار من القدرة على الحركة الحرة ، وتشلّ فيهم قيم الصدق والأمانة والإقدام لخدمة الوطن . وتحت وطأة الخوف من غضب "ولي النعمة"، تُذبح كلمة الحق على عتبات المصالح الضيقة ، ويصبح الدفاع عن السيادة الوطنية والقرار الحر خطاً أحمر يُمنع تجاوزه ، كونه يمثل خروجاً صريحاً عن "الأجندات الإملائية" المفروضة في محاريب التبعية ، فالقيد الحريري الذي يلتف حول أعناق رجالات السلطة ليس امتيازاً ، بل هو أقسى أدوات الاستلاب ، إنه السلك الخفي الذي يحرمهم من امتلاك قرارهم ، ويشل قدرتهم على العمل بصدق ، ويمنعهم من الذود عن السيادة الوطنية .

في هذا المشهد ، تصبح الشجاعة وقول الحق مغامرة غير محسوبة العواقب خوفاً من غضب "ولي النعمة"، ويتحول الدفاع عن القرار السيادي الحر إلى "خطيئة كبرى تخرج عن حدود السيناريو المرسوم في غرف الأجندات الخارجية .

أن عبودية السلطة المقنّعة ، تجد تجسيدها الأوضح في المشهد اليمني ( ماتسمى بالشرعية ) تحت لافتة مضلة تُدعى "الإعاشة" ، ومهما تجمّلت المسميات ، يظل الفساد الصنم الأكبر الذي تُذبح على عتباته الأوطان ، وفي محراب هذا الارتهان ، تُقاد الشعوب إلى التجويع المُمنهج ، وتُهدر الثروات السيادية بمعاول أدوات الداخل التي وظّفتها القوى الخارجية لتنفيذ أجنداتها .

فالرهان على تغيير أو إصلاح حقيقي دون اقتلاع جذور هذا الفساد ومحاسبة شخوصه هو محض وهم ، فالطريق نحو استعادة الدولة والقرار المستقل يبدأ حتماً وبلا مواربة من خطوة واحدة ، وهي تحطيم بوابة "فساد الإعاشة" وتجفيف منابع التبعية. ، انها العبودية السياسية المقنّعة برداء السلطة، والتي تتخذ في المشهد اليمني شكلاً ومضموناً تحت لافتة ما يُسمى بـ "الإعاشة".

فمهما تعددت التسميات والمصطلحات، يظل الفساد هو الصنم الأكبر الذي تُقدّم له القرابين في سوق الارتهان؛ وعلى مَذبح هذا الفساد تُدمر المقدرات ، وتُجوّع الشعوب ، وتُستباح الثروات والسيادة الوطنية بأيدي العملاء من أبناء الوطن لخدمة مشاريع خارجية .

إن أي حديث عن إصلاح أو تغيير حقيقي سيبقى مجرد شعارات جوفاء ما لم يبدأ باجتثاث جذور الفساد ومحاسبة الفاسدين ، ولتكن ضربة البداية الحتمية والمسؤولة هي هدم بوابة "فساد الإعاشة" وتجفيف منابعها .


عبدالكريم الدالي