آخر تحديث :السبت-29 أغسطس 2026-08:59ص

قفشات قانونية ، الحد الثالث من جرائم الحدود: الحرابة

الخميس - 13 أغسطس 2026 - الساعة 09:39 م
المحامي مختار راجح



الحد الثالث من جرائم الحدود: الحرابة

قراءة تحليلية في الفقه الإسلامي والقانون اليمني ومدى التوافق بينهما


بقلم/ تأليف المستشار والمحامي مختار راجح

الأديب والشاعر والباحث القانوني


تمهيد


الحرابة من أخطر جرائم الحدود؛ لأنها لا تستهدف مالاً أو شخصاً بعينه فحسب، وإنما تمس أمن المجتمع وطمأنينة الناس وحرمة الطريق والنفس والمال والعرض. ولذلك أفرد لها الفقه الإسلامي حكماً خاصاً، كما أفرد لها المشرع اليمني أحكاماً مستقلة في قانون الجرائم والعقوبات رقم (12) لسنة 1994م.


وقد عدّ المشرع اليمني الحرابة ثالثة جرائم الحدود بعد البغي والردة، فنصت المادة (12) على أن جرائم الحدود سبع، ومن بينها الحرابة.


والأساس الشرعي للحرابة هو قوله تعالى:


«﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33].»


ومن هنا تظهر أهمية دراسة الحرابة ليس باعتبارها مجرد جريمة قطع طريق، وإنما باعتبارها نظاماً عقابياً متكاملاً يجمع بين حماية الأمن العام وحماية الأنفس والأموال والأعراض.


---


أولاً: ما المقصود بالحرابة في الفقه الإسلامي؟


الحرابة في أصلها تدل على الخروج بالقوة لإخافة الناس وإفساد الأمن والاعتداء على الأنفس أو الأموال.


وقد اختلف الفقهاء في بعض تفاصيل تعريفها وشروطها، إلا أن جوهرها يدور حول:


1. استعمال القوة أو التهديد بها.

2. إحداث الخوف والرعب بين الناس.

3. الاعتداء على النفس أو المال أو العرض.

4. وقوع الفعل على وجه المجاهرة والقهر.

5. ارتباط السلوك بإفساد الأمن العام أو أمن الطريق.


ولهذا فإن الحرابة ليست مجرد سرقة عادية، وليست مجرد قتل عادي، وإنما قد تتحول هذه الأفعال إلى حرابة عندما تقترن بالظروف التي تجعل الاعتداء مظهراً من مظاهر الإفساد والإخافة والقهر.


---


ثانياً: موقف القانون اليمني


جاء القانون اليمني قريباً من هذا المفهوم، فنصت المادة (306) على أن من يتعرض للناس بالقوة، أياً كانت وسيلة التعرض، في طريق عام أو صحراء أو بنيان أو بحر أو طائرة، فيخيفهم ويرعبهم على نفس أو مال أو عرض، أو لأي غرض غير مشروع قهراً أو مجاهرة، يعد محارباً.


وهذا النص يكشف أن المشرع اليمني لم يحصر الحرابة في قطع الطريق بالمعنى التقليدي، وإنما وسّع نطاقها ليشمل أماكن متعددة، منها الطريق العام والصحراء والبنيان والبحر والطائرة.


وهنا تظهر نقطة قانونية مهمة:


الحرابة في القانون اليمني تقوم على عنصر القوة والإخافة والقهر والمجاهرة، وليس على مجرد الاستيلاء على المال.


---


ثالثاً: أركان الحرابة


يمكن تحليل الجريمة إلى عدة أركان:


1. الركن المادي


يتمثل في سلوك إيجابي يتضمن التعرض للناس بالقوة، مقروناً بالإخافة أو الإرهاب.


ولا يكفي مجرد وجود الجاني في الطريق أو حمله سلاحاً؛ بل لا بد من وجود سلوك مادي يؤدي إلى الاعتداء أو الإخافة على النحو الذي قصده النص القانوني.


2. الركن المعنوي


الحرابة جريمة عمدية، ولذلك يجب أن تتجه إرادة الجاني إلى ارتكاب الفعل المجرّم مع علمه بطبيعته.


ويؤكد قانون الجرائم والعقوبات أن المسؤولية الجنائية تقوم على القصد أو الخطأ بحسب طبيعة الجريمة، وأن القصد يتحقق بالعلم والإرادة ونية إحداث النتيجة المعاقب عليها.


3. محل الاعتداء


قد يكون محل الاعتداء:


- النفس.

- المال.

- العرض.

- الأمن والطمأنينة العامة.


وهذا الاتساع هو الذي يجعل الحرابة أشد من الاعتداء الفردي العادي في بعض صورها.


---


رابعاً: العقوبة في القانون اليمني


ميز المشرع اليمني بين صور الحرابة ونتائجها، وهو أمر بالغ الأهمية في التكييف القضائي.


فالمادة (307) رتبت العقوبة بحسب النتيجة التي تحققت:


أولاً: إذا اقتصر الفعل على إخافة السبيل، فالعقوبة الحبس مدة لا تزيد على خمس سنوات.


ثانياً: إذا أخذ المحارب مالاً منقولاً مملوكاً للغير، قرر القانون عقوبة قطع اليد اليمنى من الرسغ والرجل اليسرى من الكعب، مع عقوبة مختلفة للشريك الذي لم يأخذ المال.


ثالثاً: إذا أدى فعل أحد المحاربين إلى موت إنسان، قرر القانون الإعدام حداً، مع عقوبة للشريك الذي لم يسهم في القتل.


رابعاً: إذا أخذ المحارب مالاً وقتل شخصاً، قرر القانون الإعدام والصلب، مع عقوبة للشريك الذي لم يسهم في الأخذ أو القتل.


كما أبقى النص حقوق ولي الدم في الدية والأرش بحسب الأحوال.


---


خامساً: لماذا اختلفت عقوبة الحرابة باختلاف النتيجة؟


هذه من أهم المسائل التي ينبغي أن ينتبه إليها القاضي والباحث.


فالحرابة ليست صورة واحدة؛ وإنما لها صور متعددة متفاوتة في الخطورة.


فمن أخاف الناس دون أن يأخذ مالاً أو يقتل، ليس كمن أخذ المال.


ومن أخذ المال ليس كمن قتل.


ومن قتل وأخذ المال معاً ليس كمن اقتصر على الإخافة.


ومن هنا جاءت العقوبات متدرجة بحسب جسامة السلوك والنتيجة الإجرامية.


وهذا يعكس في جوهره ما قرره الفقه الإسلامي في آية الحرابة من تعدد صور الجزاء.


---


سادساً: الشروع في الحرابة


لم يهمل المشرع اليمني الحالة التي يبدأ فيها الجاني تنفيذ مشروع الحرابة ولا تكتمل الجريمة.


فنصت المادة (308) على العقوبة على الشروع في الحرابة وقطع الطريق بالحبس مدة لا تزيد على خمس سنوات.


وهذا يثير مسألة مهمة في التكييف:


هل كل شروع في سرقة أو اعتداء يعتبر شروعاً في حرابة؟


الجواب: لا.


فلا بد من توافر العناصر الخاصة بالحرابة نفسها، لأن التكييف الجنائي لا يقوم على مجرد النتيجة أو التسمية التي يطلقها الخصوم، وإنما على حقيقة الوقائع وعناصر النص المنطبق عليها.


وهنا يبرز المبدأ الذي يؤكد عليه الباحث:


«القضاء حسب السبب لا حسب تسمية الدعوى، والتكييف يكون بحسب حقيقة الواقعة وأركانها لا بحسب الوصف الذي يسبغه الخصوم عليها.»


---


سابعاً: التوبة قبل القدرة على المحارب


من الخصائص المهمة في أحكام الحرابة أن المشرع اليمني نص في المادة (309) على إعفاء المحارب من العقوبات المقررة في الفصل إذا تاب قبل القدرة عليه، مع عدم الإخلال بحقوق الغير من القصاص أو الدية أو الأرش متى توافرت حالاتها الشرعية.


وهذه نقطة شديدة الأهمية في فهم فلسفة الحد.


فالتوبة قبل القدرة ليست مجرد ظرف مخفف للعقوبة، وإنما رتب عليها النص أثراً قانونياً خاصاً.


لكن ذلك لا يعني سقوط حقوق المجني عليهم؛ لأن النص أبقى حقوق الغير.


وهنا يظهر الفرق بين:


حق المجتمع في العقوبة الحدية

و

حقوق الأفراد في القصاص والدية والأرش والحقوق المالية.


---


ثامناً: مدى توافق القانون اليمني مع الفقه الإسلامي


عند المقارنة نجد أن القانون اليمني أخذ في الحرابة بأصل فقهي واضح، سواء في اعتبارها من جرائم الحدود أو في ربطها بالقوة والإخافة والإفساد أو في تفريق العقوبة بحسب صورة الفعل ونتيجته.


وهذا يتفق مع المادة (12) التي قررت صراحة أن الحرابة من جرائم الحدود، ومع المواد (306–309) التي نظمت تعريفها وعقوباتها والشروع فيها والتوبة منها.


لكن التوافق لا يعني أن القانون نقل جميع تفاصيل الخلاف الفقهي كما هي؛ إذ إن المشرع اختار صياغة قانونية محددة ووضع شروطاً وأماكن وصوراً للعقوبة داخل النص.


ومن ثم:


«القاضي لا يحكم بمجرد الرأي الفقهي المجرد متى وجد النص القانوني النافذ، وإنما يستعين بالفقه في فهم النص وتفسيره ما لم يتعارض ذلك مع حكم قانوني صريح.»


---


تاسعاً: الفرق بين الحرابة والسرقة


هذه من أكثر المسائل التي قد يقع فيها الخطأ في التكييف.


السرقة تقوم أساساً على أخذ مال الغير خفيةً وبالشروط التي حددها القانون والفقه.


أما الحرابة فتقوم على القوة والمجاهرة والإخافة والقهر.


فلو دخل شخص خفية إلى منزل وأخذ مالاً دون مواجهة صاحبه، فالأصل أن تبحث الواقعة في نطاق السرقة إذا توافرت شروطها.


أما إذا واجه الناس بالقوة وأرهبهم وأخذ أموالهم قهراً ومجاهرة، فقد تدخل الواقعة في نطاق الحرابة متى اكتملت عناصرها.


إذن:


«ليس كل أخذ للمال حرابة، وليس كل استعمال للقوة حرابة؛ وإنما العبرة باجتماع العناصر التي حددها النص.»


---


عاشراً: الفرق بين الحرابة والقتل


قد تقع جريمة قتل أثناء الحرابة.


لكن وجود القتل وحده لا يجعل كل جريمة قتل حرابة.


فالقتل العمد له أركانه وأحكامه الخاصة، بينما الحرابة وصف أشد يرتبط بالقوة والإخافة والقهر والمجاهرة والإفساد وفقاً للنص.


ولهذا يجب على المحكمة أن تبحث:


- كيف وقعت الجريمة؟

- أين وقعت؟

- هل استعملت القوة؟

- هل وقع إخافة للناس؟

- هل كان الفعل قهراً ومجاهرة؟

- هل اقترن بأخذ المال؟

- هل أدى إلى قتل؟

- ما دور كل متهم على حدة؟


وبذلك يتحقق التكييف الصحيح.


---


الحصيلة القانونية


يمكن اختصار فلسفة الحرابة في القانون اليمني في قاعدة واحدة:


«كلما اتسع خطر الجاني من الاعتداء على فرد إلى إخافة الناس والإفساد في المجتمع، انتقل الفعل من نطاق الجريمة الفردية إلى نطاق الحرابة متى استجمعت الواقعة عناصرها القانونية والشرعية.»


والحرابة لذلك ليست مجرد سرقة مسلحة، وليست مجرد قتل في الطريق، وإنما هي وصف قانوني وشرعي له عناصره وشروطه وآثاره.


ومن أخطر الأخطاء القضائية أن يقال:


«وقعت سرقة إذن هي حرابة»

أو

«وقع قتل إذن هي حرابة».


فالتكييف الصحيح يبدأ من الواقعة ثم ينتقل إلى العناصر ثم إلى النص ثم إلى العقوبة.


وهذا هو جوهر مبدأ:


«القضاء حسب السبب لا حسب تسمية الدعوى.»


الخلاصة


الحرابة في القانون اليمني تمثل نموذجاً واضحاً لتداخل الفقه الإسلامي مع التشريع الجنائي اليمني؛ فقد أدرجها المشرع ضمن جرائم الحدود، ونظمها تفصيلاً في المواد 306–309، مع تدرج العقوبة بحسب صورة الفعل ونتيجته، وأخذ بمبدأ أثر التوبة قبل القدرة على المحارب، مع بقاء حقوق المجني عليهم.


ومن ثم فإن فهم الحرابة لا يكون بحفظ العقوبة فقط، وإنما بفهم فلسفة الجريمة وأركانها والتكييف القضائي لها والتمييز بينها وبين السرقة والقتل والاعتداء وقطع الطريق والشروع في الجريمة.


وهذه هي القفشة القانونية:


««ليست كل سرقة حرابة، وليس كل قتل حرابة؛ فالحرابة تبدأ حين تتحول الجريمة من اعتداء على فرد إلى إخافة وقهر وإفساد يهدد أمن الناس، والتكييف الصحيح لا يصنعه اسم الجريمة، وإنما تصنعه عناصرها.»»


المصدر القانوني الأساسي: قانون الجرائم والعقوبات اليمني رقم (12) لسنة 1994م، ولا سيما المواد (11–16) و(306–309).