آخر تحديث :الخميس-20 أغسطس 2026-03:20م

حين تتصاعد الحرب… يدفع الشعب الثمن

الخميس - 13 أغسطس 2026 - الساعة 09:31 ص
صلاح البندق


حين تتصاعد أصوات المدافع، لا تتوقف الحرب عند خطوط الجبهات؛ فهي تمتد إلى موائد الناس، وإلى رواتب الموظفين، وإلى أسواق الغذاء والوقود، وإلى المستشفيات والمدارس وشبكات الكهرباء والمياه.


وفي الوقت الذي تتصاعد فيه المواجهة العسكرية بين الحوثيين والسعودية، وتتسع دائرة التوتر في المنطقة، يجد المواطن في الجنوب نفسه أمام حربٍ أخرى لا تقل قسوة: حرب مع الفقر، وغلاء المعيشة، وانقطاع الرواتب، وتدهور الخدمات، وأزمة الغاز، وانسداد الأفق الاقتصادي.


المشهد الأكثر إيلاماً أن بلداً يمتلك النفط والغاز والموانئ والثروة البحرية والموقع الجغرافي الاستراتيجي، أصبح فيه المواطن منشغلاً بأسئلة تبدو بسيطة، لكنها تختصر مأساة كاملة:


متى سيأتي الراتب ؟

أين أسطوانة الغاز ؟

متى تعود الكهرباء ؟

وكيف يستطيع المواطن تأمين احتياجات أسرته الأساسية ؟


هنا تكمن المفارقة الكبرى : ثرواتٌ هائلة، وفقرٌ متزايد؛ مواردٌ استراتيجية، وخدماتٌ منهارة؛ وبلدٌ غني بالإمكانات، ومواطنٌ يزداد فقراً كل يوم.


الحرب تُدار في غرف القرار، لكن فاتورتها لا تصل إلى أصحاب القرار وحدهم؛ بل تصل أولاً إلى المواطن البسيط، الذي يدفع من قوته وصحته وتعليم أبنائه وأمن مستقبله.


فحين يتأخر الراتب، لا يتأخر معه مجرد مبلغ مالي؛ بل تتعطل حياة أسرة كاملة.


وحين تنقطع الكهرباء، لا ينطفئ الضوء وحده؛ بل تتعطل المستشفيات، وتُرهق الأسر، وتتوقف الأعمال، ويتحول الصيف إلى اختبار يومي لقدرة الناس على الاحتمال.


وحين تختفي أسطوانة الغاز أو ترتفع أسعار الغذاء والوقود، يصبح تأمين الاحتياجات الأساسية معركةً جديدة يخوضها المواطن كل يوم.


ولذلك، لا ينبغي التعامل مع هذه الأزمات باعتبارها ظروفاً عابرة يمكن للمجتمع أن يتكيف معها إلى ما لا نهاية.


الفقر ليس قدراً سياسياً، وتجويع الناس ليس سياسة اقتصادية، وانهيار الخدمات ليس نتيجة طبيعية للحرب ينبغي أن تصبح أمراً مألوفاً.


المواطن لا يريد خطابات جديدة بقدر ما يريد نتائج ملموسة.


يريد راتباً منتظماً، وكهرباء مستقرة، ومياهًا متاحة، وغازاً بسعر يستطيع تحمله، وأسواقاً لا تلتهم قدرته الشرائية، وخدمات صحية وتعليمية تحفظ الحد الأدنى من كرامته.


كما يريد أن يعرف: أين تذهب موارد البلاد ؟ ومن يديرها ؟ ومن يتحمل مسؤولية وصول عائداتها إلى الناس؟


فالحديث عن الثروة لا معنى له إذا ظل صاحب الأرض محروماً من أبسط حقوقه، والحديث عن السيادة لا يكتمل إذا كان المواطن عاجزاً عن تأمين قوت يومه.


لقد أثبتت تجارب الحروب أن أكثر ما يدفع ثمن الصراعات هم أولئك الذين لا يملكون قرار إشعالها.


الجندي يدفع من حياته، والموظف من راتبه، والفقير من قوته، والطفل من مستقبله، والنازح من وطنه واستقراره.


أما أصحاب القرار، فعليهم أن يدركوا أن إدارة الحرب ليست مجرد إدارة للمعارك، بل مسؤولية عن حياة ملايين البشر الذين يعيشون نتائجها.


ومن يملك قرار الحرب، عليه أن يتحمل مسؤولية الوصول إلى السلام. ومن يملك إدارة الموارد، عليه أن يضمن عدالة توزيعها. ومن يرفع شعار الوطنية، عليه أن يضع كرامة المواطن في مقدمة أولوياته.


الشعوب قد تصبر على شظف العيش، وقد تتحمل قسوة الظروف حين ترى أفقاً للخلاص؛ لكنها تفقد قدرتها على الاحتمال عندما يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والأزمة إلى أسلوب حياة، والفقر إلى وسيلة لإخضاع الناس.


وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد سؤال عن راتب أو كهرباء أو غاز.


إنه سؤال عن الدولة، وعن العدالة، وعن معنى المسؤولية، وعن حق المواطن في ثروات وطنه.


فالمواطن ليس وقوداً للحرب، ولا رقماً في بيانات السياسة، ولا ورقةً في صراع المصالح، ولا ضحيةً دائمةً لتسويات لا يعرف تفاصيلها.


إنه صاحب الحق الأول في الأمن والكرامة والعيش الكريم.


لقد بلغ القهر حداً لا ينبغي معه أن يصبح الصمت فضيلة.


وحان الوقت لأن يُسمع صوت الإنسان قبل صوت المدفع، وأن تصبح كرامة المواطن أولويةً تسبق الحسابات السياسية، وأن تُدار ثروات البلاد لمصلحة شعبها لا على حسابه.


فالحرب مهما طالت ستنتهي إلى طاولة سياسية، لكن السؤال الذي سيبقى مفتوحاً أمام التاريخ هو:


ماذا بقي للشعب بعد أن دفع ثمن الحرب؟