آخر تحديث :الأحد-27 سبتمبر 2026-01:51ص

الحرب بين القرار والحسم

الأربعاء - 12 أغسطس 2026 - الساعة 09:27 م
عبدالعزيز الحمزة


المشهد اليمني اليوم يختلف عن السنوات الماضية. فالحوثيون انتقلوا من التهديد إلى التصعيد الفعلي، بالحشد على الجبهات، والهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، واستهداف المدن والمواقع الحيوية والمدنيين. وفي المقابل أعلنت الحكومة الشرعية جاهزيتها للمعركة، لكنها لم تنتقل حتى الآن من إعلان الحرب إلى حرب شاملة.

وهنا يجب أن نكون دقيقين، فعدم الدخول في حرب شاملة ليس بالضرورة ضعفاً، فالحرب لا تُخاض استجابةً لضغط الشارع، وإنما عندما تكتمل معطياتها العسكرية والسياسية والقانونية والإقليمية، ويصبح احتمال التحكم في مسارها ونهايتها مرتفعاً.

لكن اليمن اليوم يمتلك عناصر قوة جديدة ينبغي استثمارها، فمجلس القيادة الرئاسي أصبح أكثر انسجاماً، وهناك تقدم في توحيد القرار العسكري وترتيب التشكيلات التابعة للشرعية، كما أن البيئة الإقليمية تشهد تحولات مهمة، في مقدمتها اتفاق مكة، بين السعودي والتركي والباكستاني، إلى جانب تراجع نسبي في قدرة إيران على إدارة أدواتها في المنطقة كما كانت تفعل سابقاً.

وهذا يعني أن ميزان البيئة الاستراتيجية أصبح أكثر ملاءمة للشرعية.

لكن الفرصة لا تعني الاندفاع، فالمطلوب هو الانتقال من مجرد إعلان الحرب إلى إدارة مرحلة الحرب، و رفع الجاهزية و توحيد القرار، واستثمار التحولات الإقليمية وتحصين الموقف القانوني والسياسي، وإبقاء قرار الانتقال إلى الحرب الشاملة بيد القيادة، بعيداً عن العواط٥ والضغوط الجماهيرية.

وفي الوقت نفسه، يجب ألا يتحول التريث إلى فراغ،

فالبيانات وحدها لا تكفي عندما يكون الطرف الآخر قد انتقل إلى الفعل العسكري.

والشرعية ليست مطالبة بكشف خططها، لكنها مطالبة بأن تجعل الشعب يشعر أن وراء الهدوء استراتيجية حقيقية وليست حالة انتظار.

وهنا نستحضر موقف الحكومة الحازم تجاه الطائرة الإيرانية التي نقلت وفداً حوثياً إلى طهران، فقد ظهر القرار الرسمي آنذاك واضحاً وحاسماً، وأُرسلت رسالة مفادها أن للدولة خطوطاً حمراء تتعلق بسيادتها وأمنها.

والسؤال المشروع اليوم، إذا كانت الدولة قادرة على اتخاذ قرار حاسم أمام انتهاك سيادتها، فلماذا لا يظهر المستوى نفسه من الوضوح أمام تصعيد عسكري مستمر وسقوط ضحايا وتهديد المدن؟

المطلوب ليس أن تتحول كل أزمة إلى حرب، وإنما أن تكون لغة الدولة وأفعالها متناسبة مع خطورة ما تواجهه.

لقد تغيرت المعادلة، وأصبح أمام الشرعية رصيد سياسي وعسكري وإقليمي يمكن البناء عليه.

ولذلك فإن أكبر خطأ سيكون تبديد هذه الفرصة بالخلافات أو التردد أو تعدد مراكز القرار.

المطلوب اليوم ليس تعدد الأصوات، بل توحيدها، وليس تعدد المشاريع، بل الالتفاف حول مشروع الدولة.

مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية هما الإطار الدستوري والسياسي لإدارة هذه المرحلة، وتوحيد الطاقات الوطنية والعسكرية والسياسية حولهما هو الطريق الأقصر لتحويل عناصر القوة المتراكمة إلى قدرة حقيقية على إنهاء الانقلاب.

أما الحوثيون، فقد أثبتت التجربة أن مشروعهم لا يمكن أن يكون شريكاً طبيعياً في بناء دولة مستقرة، لأنه قائم على منطق السلاح والانقلاب وفرض الأمر الواقع.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست معركة جبهة واحدة، ولا معركة حكومة ضد جماعة، وإنما معركة دولة في مواجهة مشروع انقلاب يريد احتكار الدولة والمجتمع والقرار.

قد لا يكون السؤال اليوم: متى تبدأ الحرب؟

بل السؤال الأهم، هل نحن مستعدون عندما يحين قرارها، وهل سنكون موحدين بما يكفي لحسمها؟

فلنوجه كل طاقاتنا لتوحيد الصف، ودعم مؤسسات الدولة، والالتفاف حول مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية، حتى يصبح إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة الدولة هدفاً وطنياً جامعاً لا يعلو عليه هدف.

اليمن لا يحتاج إلى حرب من أجل الحرب، يحتاج إلى دولة تملك قرار الحرب والسلام، وتعرف متى تبدأ، وكيف تنتهي، ولمن تكون الكلمة الأخيرة.

،،،،،،،،،،،،،،،،،،

✍️ عبدالعزيز الحمزة

الاربعاء ١٢ اغسطس ٢٠٢٦م