أولًا: النصوص القانونية
ينظم قانون الجرائم والعقوبات اليمني رقم (12) لسنة 1994م جريمة الاختلاس في المادة (162)، ويقرر أن الموظف العام يعاقب إذا اختلس مالًا وجد في حيازته بسبب وظيفته، كما يعاقب على استغلال الوظيفة للاستيلاء بغير حق على مال الدولة
أما خيانة الأمانة فقد نصت عليها المادة (318)، ومؤداها معاقبة من يضم إلى ملكه مالًا منقولًا مملوكًا للغير سُلّم إليه بأي وجه، بعقوبة الحبس مدة لا تزيد على
وهنا يظهر الفارق الأساسي بين الجريمتين.
المبحث الأول: ما المقصود بالاختلاس؟
الاختلاس في مفهوم المادة (162) يرتبط أساسًا بالوظيفة العامة وبالمال الذي أصبح في حيازة الموظف بسبب وظيفته.
فالموظف لا يكون مجرد حائز عادي للمال، وإنما وصلت الأموال إلى يده بسبب السلطة أو الاختصاص أو المهمة التي يمارسها.
مثال بسيط
موظف خزينة حكومية استلم مبلغًا من المال العام بحكم وظيفته، ثم أخذ جزءًا منه لنفسه.
هنا لا نقول في الأصل إن الموظف خان أمانة عادية؛ لأن المال كان في حيازته بسبب وظيفته، وقد انحرف بهذه الحيازة الوظيفية واستولى على المال.
وهذا هو جوهر الاختلاس الوظيفي.
المبحث الثاني: ما المقصود بخيانة الأمانة؟
خيانة الأمانة تختلف في أساسها.
فالجاني هنا يكون قد تسلم مالًا منقولًا مملوكًا للغير على وجه من أوجه الأمانة أو التسليم المشروع، ثم يتصرف فيه كما لو كان مالكًا له، فيضمه إلى ملكه.
وهذا هو مضمون
مثال
أعطى شخصٌ لصديقه مبلغًا من المال ليحتفظ به حتى يعود.
فإذا قام الصديق بعد ذلك بإنكار المال والتصرف فيه باعتباره ملكًا له، فقد تتوافر جريمة خيانة الأمانة، متى ثبتت عناصرها القانونية.
إذن:
المال دخل إلى يد الجاني ابتداءً بطريقة مشروعة، ولكن الخيانة وقعت بعد ذلك عندما غيّر الجاني صفته من أمين إلى مالك.
المبحث الثالث: الفارق الجوهري
يمكن تبسيط الفرق في هذه القاعدة:
الاختلاس: المال في حيازة الموظف بسبب الوظيفة، فيستولي عليه بغير حق.
خيانة الأمانة: المال سُلّم إلى الشخص على سبيل الأمانة، فيضمه إلى ملكه.
وهذا الفرق مهم جدًا في التكييف القانوني.
وجه المقارنة
الاختلاس
خيانة الأمانة
النص الأساسي
المادة 162
المادة 318
صفة الجاني
موظف عام في الصور المنصوص عليها بالمادة
لا يشترط أن يكون موظفًا عامًا
مصدر الحيازة
الوظيفة
التسليم المشروع للمال
المال
مال في حيازة الموظف بسبب وظيفته، أو مال للدولة يستولي عليه باستغلال الوظيفة
مال منقول مملوك للغير
السلوك
اختلاس أو استيلاء بغير حق أو تسهيل الاستيلاء بحسب الصورة
ضم المال إلى ملك الجاني
طبيعة العلاقة
علاقة وظيفية عامة
علاقة أمانة أو تسليم خاص
العقوبة الأصلية
تصل إلى سبع سنوات في الصور الواردة بالمادة 162
الموقع القانوني اليمني +1
المبحث الرابع: لماذا يقع الخلط بين الجريمتين؟
سبب الخلط أن كلتا الجريمتين تتضمنان مالًا وصل إلى يد الجاني بصورة سابقة على الجريمة.
لكن السؤال الحاسم هو:
كيف وصل المال إلى يد الجاني؟
إذا كان الجواب:
بسبب وظيفته العامة واختصاصه الوظيفي → نبحث في جريمة الاختلاس وفق المادة (162).
أما إذا كان الجواب:
بموجب تسليم من المالك أو الحائز على وجه من أوجه الأمانة → نبحث في المادة (318) الخاصة بخيانة الأمانة.
المبحث الخامس: الموظف ليس بالضرورة مختلسًا
وهذه نقطة مهمة جدًا.
مجرد كون الشخص موظفًا عامًا لا يعني أن أي استيلاء منه على مال يعتبر اختلاسًا.
بل يجب البحث:
هل المال كان في حيازته بسبب وظيفته؟
هل استغل الوظيفة للاستيلاء عليه؟
هل المال مال للدولة أو لإحدى الجهات التي حددها النص؟
ما طبيعة الفعل الذي ارتكبه؟
هل توافرت نية التملك أم كان القصد مجرد الاستعمال ثم الرد؟
فالمادة (162) نفسها تميز بين حالة وجود نية التملك وحالة قصد الاستعمال ثم رد المال، وتقرر للأخيرة عقوبة أخف تصل إلى الحبس ثلاث
المبحث السادس: مثال عملي يوضح الفرق
الحالة الأولى: اختلاس
أمين صندوق في جهة حكومية لديه عشرة ملايين ريال بحكم وظيفته.
قام بإخفاء مليوني ريال من العهدة واستولى عليهما لنفسه.
التكييف الأقرب: اختلاس؛ لأن المال كان في حيازته بسبب الوظيفة.
الحالة الثانية: خيانة أمانة
شخص سلّم إلى آخر خمسة ملايين ريال لكي يحتفظ بها لديه مؤقتًا.
استولى الحائز على المال لنفسه ورفض رده.
التكييف الأقرب: خيانة أمانة وفق المادة (318)، إذا ثبتت بقية العناصر القانونية.
المبحث السابع: ماذا لو كان المال عامًا؟
هنا يجب الحذر من التسرع.
ليس كل مال عام يستولي عليه أي شخص يصبح تلقائيًا اختلاسًا بالمادة 162؛ لأن النص ربط الاختلاس الوظيفي بصفة الموظف العام وبكيفية حيازته للمال أو استغلاله لوظيفته.
فإذا كان الفاعل ليس موظفًا عامًا، فقد يكون الفعل جريمة أخرى بحسب وسيلة الاستيلاء والوقائع، مثل السرقة أو الاستيلاء أو غيرها، وليس صحيحًا أن نطلق عليه الاختلاس الوظيفي لمجرد أن المال مملوك للدولة.
وهذه نقطة جوهرية في التكييف الجنائي.
المبحث الثامن: قاعدة ذهبية في التكييف
يمكن للقاضي أو المحامي أن يبدأ بهذه الأسئلة الخمسة:
1. لمن تعود ملكية المال؟
2. كيف وصل المال إلى يد المتهم؟
3. هل وصلت الحيازة بسبب وظيفة عامة؟
4. أم أن المال سُلّم إليه على سبيل الأمانة؟
5. ماذا فعل المتهم بالمال بعد أن أصبح في حيازته؟
ومن خلال الإجابة يمكن تحديد الوصف القانوني.
المبحث التاسع: الاختلاس وخيانة الأمانة والسرقة
وهنا تكتمل الصورة:
السرقة: المال يؤخذ من حيازة الغير دون رضاه.
خيانة الأمانة: المال يصل إلى الجاني بصورة مشروعة، ثم يخون سبب حيازته ويضمه إلى ملكه.
الاختلاس الوظيفي: المال يكون في حيازة الموظف بسبب وظيفته، ثم يستولي عليه أو يتصرف فيه على نحو يجرمه النص.
وبعبارة أدبية قانونية:
في السرقة يبدأ الاعتداء عند انتزاع الحيازة، وفي خيانة الأمانة يبدأ الانحراف بعد التسليم، وفي الاختلاس الوظيفي يبدأ الانحراف من إساءة استعمال الحيازة التي منحتها الوظيفة.
المبحث العاشر: النتيجة
ليس العبرة باسم المال ولا بمجرد الاستيلاء عليه، وإنما العبرة بكيفية دخوله إلى حيازة المتهم، وبالصفة التي كان يحملها وقت الحيازة، وبالفعل الذي ارتكبه بعد ذلك.
ولهذا يمكن صياغة القاعدة القانونية المبسطة:
إذا كانت الوظيفة هي التي وضعت المال في يد الموظف، ثم استولى عليه بغير حق، فنحن أمام نطاق الاختلاس المنصوص عليه في المادة (162).
وإذا كان المال قد سُلّم إلى الشخص على وجه الأمانة، ثم ضمه إلى ملكه، فنحن أمام خيانة الأمانة المنصوص عليها في المادة (318).
والأهم أن التكييف لا يتبع تسمية الشاكي للجريمة، وإنما يتبع حقيقة الواقعة والعناصر التي ثبتت في الدعوى.
وهذا يتفق مع القاعدة التي يمكن أن نجعلها أصلًا في دراساتك القانونية: «القضاء حسب السبب لا حسب تسمية الدعوى»؛ فالعبرة بحقيقة الواقعة وأركانها القانونية لا بالاسم الذي يضعه الخصوم عليها.
ملاحظة قانونية: اعتمدت هنا على نصوص قانون الجرائم والعقوبات اليمني رقم (12) لسنة 1994م المنشورة في مصادر قانونية يمنية، وعلى النص المنشور لدى المركز الوطني للمعلومات اليمني.
إعداد: بقلم المستشار/ المحامي مختار راجح