آخر تحديث :الإثنين-31 أغسطس 2026-08:34ص

الرقابة التي لا تخيف الفاسد... تحمي الفساد

الإثنين - 10 أغسطس 2026 - الساعة 10:13 م
خالد العدني


هناك دول لا ينقصها القانون، ولا اللوائح، ولا أجهزة التفتيش، ولا لجان الرقابة، ولا التقارير.

لكنها تنقصها شيئًا واحدًا: رقابة تستطيع أن تصل إلى المال قبل أن يضيع، وإلى الفاسد قبل أن يصبح أقوى من الدولة.

في مؤسساتنا، قد تجد إدارة كاملة للرقابة والتفتيش، وموظفين، ومكاتب، وأختامًا، ومحاضر، وتقارير سنوية، وربما عشرات الملاحظات المسجلة بحق المخالفين.

لكن بعد كل ذلك، يبقى السؤال الأكثر إزعاجًا:

أين النتائج؟

إذا مرّت سنوات طويلة من التفتيش، ثم ظل الفساد يتسع، والإيرادات تتراجع، والتهريب يتنامى، والخدمات تتدهور، والمال العام يتسرب من بين أصابع الدولة، فالمشكلة ليست في نقص التقارير.

المشكلة أن الرقابة نفسها أصبحت جزءًا من المشكلة.

رقابة تكتفي بأن تقول: فتشنا!

لذا اسواء أنواع الرقابة ليست الرقابة الغائبة، بل الرقابة الموجودة التي لا تفعل شيئًا.

هي تلك التي تأتي بعد وقوع الضرر، وتفتح الملفات بعد اختفاء الأموال، وتكتشف المخالفات بعد أن تصبح واقعًا، ثم تكتب تقريرًا مرتبًا، وتضعه في ملف، وترفعه إلى جهة أخرى... ثم ينتظر الجميع.

وهكذا تتحول الرقابة من سلاح لحماية الدولة إلى طقس إداري متكرر.

مفتش يجلس خلف مكتبه، يقلب الأوراق، يبحث عن توقيع أو ختم، ويقارن رقمًا برقم، بينما الحقيقة قد تكون في مكان آخر تمامًا: عند منفذ، أو ميناء، أو مؤسسة إيرادية، أو سوق، أو نقطة تحصيل.

وهناك مشكلة أخطر:

أن تكون الرقابة قوية على الضعيف، ضعيفة أمام القوي.

عندها لا يعود الأمر مجرد خلل إداري.

إنه خلل في ميزان العدالة داخل المؤسسة.

التقرير الذي لا يعقبه قرار... ليس رقابة

ماذا يعني أن يكتشف جهاز رقابي عشرين مخالفة، ثم لا يُحاسب أحد؟

ماذا يعني أن يكشف المفتش تلاعبًا بالمال العام، ثم يبقى المسؤول في موقعه؟

وماذا يعني أن تتكرر المخالفات نفسها في المؤسسة نفسها عامًا بعد عام؟

المعنى ببساطة:

أن الفاسد تعلّم أن الدولة تستطيع أن تكتب عنه تقريرًا، لكنها لا تستطيع أن تصل إليه.

وهنا يصبح التقرير نفسه جزءًا من المشكلة.

فالفساد لا يخشى الورق.

الفساد يخشى القرار.

ولا يخشى المفتش الذي يسجل المخالفة، بل يخشى المفتش الذي يعرف كيف يحول المخالفة إلى مساءلة، والمساءلة إلى محاسبة، والمحاسبة إلى استرداد للمال العام.

الرقابة الفعالة تبدأ من حيث تنتهي الرقابة التقليدية

الدولة التي تريد حماية مواردها لا تستطيع أن تظل أسيرة الرقابة المكتبية.

الرقابة الحقيقية يجب أن تكون ميدانية، مفاجئة، رقمية، مستمرة وحازمة.

أن يصل المفتش إلى المنفذ دون أن يعرف المخالف موعد وصوله.

أن يرى الإيراد لحظة تحصيله، لا بعد مرور أسابيع على تسجيله.

أن تربط الأنظمة الرقمية حركة الأموال بالإيرادات والتحصيل والتوريد، بحيث يصبح التلاعب أصعب، وتصبح الفجوة بين ما يجب أن يدخل خزينة الدولة وما دخلها فعلًا مرئية.

وأن تكون المخالفة بداية للمحاسبة، لا نهاية القصة.

وهذا هو الفارق بين جهاز رقابي يؤدي وظيفة شكلية، وجهاز رقابي يحمي الدولة فعلًا.

الجمارك... حيث تختبر الدولة قدرتها على حماية إيراداتها

في المنافذ الجمركية تحديدًا، لا يمكن للرقابة أن تكون موظفًا ينتظر خلف مكتب.

هناك المال العام يتحرك على مدار الساعة.

وهناك البضائع تدخل وتخرج، والرسوم تُحتسب، والإيرادات تُحصّل، والتهريب يحاول أن يجد لنفسه ثغرة.

ولهذا فإن الرقابة الفعالة في هذا القطاع تعني أن تكون الدولة حاضرة في الميدان، وأن تكون البيانات مكشوفة، وأن تكون حركة الإيرادات قابلة للتتبع، وأن يعرف كل موظف أن المخالفة لن تنتهي بتوقيع على ورقة.

حينها فقط تصبح الرقابة أداة لزيادة الإيرادات، وتجفيف منابع التهريب، وحماية الاقتصاد، واستعادة ثقة المواطن.

الدولة لا تُبنى بكثرة الأجهزة... بل بفاعلية المؤسسات

قد نستطيع إنشاء عشر إدارات رقابية جديدة.

وقد نستطيع مضاعفة عدد المفتشين.

وقد نستطيع طباعة آلاف النماذج والتقارير.

لكن كل ذلك لن يصنع دولة قوية إذا بقيت الرقابة بلا أنياب.

الدولة القوية ليست الدولة التي لديها أكبر عدد من الأجهزة الرقابية.

إنها الدولة التي يعرف فيها الفاسد أن احتمالات اكتشافه مرتفعة، وأن المحاسبة حقيقية، وأن المال العام لا يمكن الاستيلاء عليه ثم الاختباء خلف النفوذ أو العلاقات.

هذه هي المعادلة التي يجب أن نفهمها.

لا نريد مفتشًا يخاف من الفاسد

نريد مفتشًا يخافه الفاسد.

نريد رقابة لا تميز بين موظف صغير ومسؤول كبير.

نريد نظامًا لا يسأل فقط: هل توجد الأوراق؟

بل يسأل:

كم دخل إلى خزينة الدولة؟

وكم كان يفترض أن يدخل؟

وأين ذهب الفارق؟

ومن المسؤول عنه؟

ثم السؤال الأهم:

هل استُعيد المال؟

هنا تبدأ الرقابة الحقيقية.

كفى رقابة للواجهة

لا تحتاج الدولة إلى رقابة تُثبت أنها قامت بالتفتيش.

الدولة تحتاج إلى رقابة تثبت أنها حمت المال العام.

والفارق بين الاثنين شاسع.

الأولى تبحث عن المخالفة لكي تضعها في تقرير.

والثانية تبحث عن الخلل لكي تمنعه، وعن المال لكي تحميه، وعن المسؤول لكي تحاسبه.

الأولى قد تحافظ على شكل المؤسسة.

أما الثانية فتبني الدولة.

ولهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست بين الدولة والفساد فقط.

إنها أيضًا معركة بين رقابة نمطية اعتادت تسجيل الخلل، ورقابة فعالة تريد إنهاءه.

وإذا أردنا دولة تستعيد هيبتها، واقتصادًا يستعيد عافيته، وخزينة تستعيد مواردها، فعلينا أن نبدأ من السؤال الذي طال تأجيله:

من يراقب من يراقب؟

فلا معنى لرقابة لا يخشاها الفاسد.

ولا قيمة لتقرير لا يتبعه قرار.

ولا هيبة لدولة تستطيع أن تكتشف سرقة المال العام، لكنها تعجز عن استرداده.

المال العام ليس غنيمة... وليس مباحًا.

إنه أمانة الدولة وحق المواطن.

ومن يمد يده إليه يجب أن يعرف أن خلف المال العام دولة، وخلف الدولة قانونًا، وخلف القانون رقابة لا تنام.

كفى رقابة ديكور.

نريد رقابة فعالة... رقابة بأسنان.