آخر تحديث :السبت-05 سبتمبر 2026-08:39ص

خطاب الرئيس .. السلام مع وقف التنفيذ.

الإثنين - 10 أغسطس 2026 - الساعة 09:55 م
عمر الحار


لم يكن خطاب فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أمام سفراء الدول الراعية للسلام في اليمن الاثنين، مجرد توصيف للتصعيد الأخير أو تسجيل موقف سياسي تجاه جماعة الحوثي؛ بل بدا أقرب إلى إعادة ترتيب للأوراق أمام المجتمع الدولي، ووضع مسار السلام نفسه أمام اختبار جديد، ربما يتجاوز توصيف السلام مع وقف التنفيذ الذي ولى عهده على مايبدو من قائمة الرئاسة.

فالرسالة الأولى التي أراد فخامة الرئيس إيصالها تبدو واضحة: الدولة اليمنية لم تغلق باب السلام، لكنها لم تعد تقبل أن يتحول التزامها به إلى مظلة تحتمي تحتها الاعتداءات.

وهنا تكمن أهمية الخطاب؛ إذ انتقل من الحديث عن السلام بوصفه خياراً أخلاقياً وسياسياً، إلى الحديث عنه باعتباره مسؤولية متبادلة وضمانات متبادلة. فالسلام الذي لا يملك أدوات حماية نفسه يصبح، في نظر الدولة، مجرد هدنة مفتوحة على جولة جديدة من التصعيد.

وعندما وصف فخامة الرئيس التصعيد الحوثي بأنه اختبار لجدية المجتمع الدولي في حماية فرص السلام، فإنه لم يكن يخاطب الحوثيين وحدهم، بل كان يوجه حديثه بصورة مباشرة إلى الأطراف الدولية الراعية للمسار السياسي.

فالاختبار هنا لا يتعلق بإصدار بيانات جديدة، وإنما بالسؤال الأكثر صعوبة:

ماذا سيفعل المجتمع الدولي عندما يكون الطرف الذي يُفترض أن يكون جزءاً من الحل هو نفسه من يهدد مسار السلام؟

وهذه نقلة نوعية مهمة في الخطاب؛ لأنها تحاول دفع المجتمع الدولي من موقع المراقب والمطالب بالتهدئة إلى موقع الفاعل والمسؤول عن حماية المسار الذي رعاه بنفسه.

و يحمل ربط فخامة الدكتور الرئيس، رشاد العليمي ما يحدث في المخا بتسيير رحلات للحرس الثوري إلى صنعاء بدلالة تتجاوز الجغرافيا اليمنية.

فالرئاسة اليمنية تريد أن تقول إن التصعيد لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حادثة منفصلة أو مواجهة عادية، وإنما ضمن سياق أمني وسياسي أوسع، ترى فيه الحكومة امتداداً للتدخل الإيراني في المشهد اليمني.

ومن هنا يصبح ملف السلام مرتبطاً، بصورة أوضح، بملف السلاح والنفوذ الخارجي، وليس فقط بوقف إطلاق النار.

ولعل العبارة الأكثر ثقلاً في الخطاب هي القول باستحالة بناء سلام مع جماعة تمتلك صواريخ باليستية.

فالمسألة هنا تتجاوز السلاح بوصفه أداة عسكرية، إلى طبيعة الدولة التي يفترض أن ينتجها السلام.

فأي تسوية سياسية يمكن أن تعيش في ظل وجود قوة عسكرية وصاروخية مستقلة عن مؤسسات الدولة؟

و السؤال الذي تطرحه هذه الرسالة او العبارة ضمنياً هو:

هل يكون السلام مجرد توقف للمعارك، أم إعادة بناء لدولة واحدة تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم والسلاح؟

وهذا ربما يمثل أحد أصعب الملفات التي ستواجه أي تسوية يمنية مقبلة.

لكن أكثر العبارات قدرة على اختصار الموقف الرئاسي هي:

«أعطينا السلام فرصته.. واليوم نطلب إعطاء الدولة فرصة».

هذه ليست عبارة خطابية سهلة التعامل بل مقولة فلسفية تختصر كل المواقف برمتها، إنها محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع الدولي.

فخلال سنوات الحرب، ظل الضغط الدولي في كثير من الأحيان موجهاً نحو الأطراف الحكومية لحثها على ضبط النفس وتقديم التنازلات من أجل السلام. أما الرسالة الجديدة فتقول إن الدولة نفسها تحتاج إلى فرصة لكي تكون قادرة على حماية السلام وإنفاذه.

بمعنى آخر:

لا يكفي أن تطلب من الدولة أن تلتزم بالسلام؛ بل يجب أن تمنحها أيضاً أدوات حماية هذا السلام.

ووصل الخطاب الى محطته السياسية الاكثر حساسية، بقول الرئيس إن مرحلة الاعتداء بلا كلفة انتهت، وإن القوات المسلحة أصبحت أكثر جاهزية،

هذه العبارة لا تعني بالضرورة أن قرار الحرب قد اتُخذ، لكنها تعني بوضوح أن سياسة الردع دخلت إلى لغة الخطاب الرئاسي بقوة أكبر.

والرسالة هنا مزدوجة:

للحلفاء والمجتمع الدولي:

الدولة لن تتخلى عن حقها في الدفاع عن نفسها.

وللحوثيين:

المرحلة التي يمكن فيها اختبار صبر الدولة دون ثمن سياسي أو عسكري ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية.

بين السلام والحرب.. مساحة ثالثة

والأهم في الخطاب أنه لا يضع اليمن أمام خيارين فقط: السلام أو الحرب.

ثمة مساحة ثالثة يحاول الخطاب تثبيتها، هي السلام المحمي بالردع.

فالدولة، وفق هذه الرسائل، لا تقول إنها تريد العودة إلى الحرب، وإنما تقول إن استمرار السلام يحتاج إلى قوة تمنع انهياره.

وهنا يمكن فهم عبارة «إعطاء الدولة فرصة» باعتبارها مطالبة بإعادة بناء معادلة مختلفة:

سلام لا يقوم على ضعف الدولة، وتهدئة لا تكافئ التصعيد، وتسوية لا تترك السلاح خارج مؤسساتها.

في المحصلة، يبدو أن خطاب الرئيس العليمي أراد نقل النقاش من سؤال:

«كيف نوقف التصعيد؟»

إلى سؤال أكثر عمقاً:

«كيف نصنع سلاماً لا يستطيع أحد ابتزازه بالسلاح؟»

وهذا هو جوهر المعركة السياسية المقبلة.

فإذا كان المجتمع الدولي يريد سلاماً دائماً في اليمن، فإن المطلوب، وفق الرسالة الرئاسية، ألا يكتفي بإدارة الصراع أو تهدئة جبهاته، بل أن يساعد على معالجة جذوره، وفي مقدمتها احتكار الدولة للسلاح والقرار العسكري، ومنع تحويل القوة المسلحة إلى وسيلة لفرض الوقائع السياسية.

لقد أعطت الدولة السلام فرصته، كما يقول الخطاب.

والآن، يبدو أن الرئاسة تريد من المجتمع الدولي أن يجيب عن سؤال أكثر إلحاحاً:

هل سيعطي الدولة فرصة لحماية السلام؟

فبين الإجابة عن هذا السؤال وبين مستقبل المسار السياسي اليمني، قد تكون هناك مسافة أقصر مما تبدو.