على مدى السنوات الماضية لم تمتلك حكومة الشرعية المعترف بها المقومات العسكرية والمنظومات الدفاعية والأساليب الحربية التي تمتلكها اليوم، بل وكانت رهينة تحالفات إقليمية ودولية في مسألة التصدي للإنقلاب المليشياوي وحماية الدولة ومؤسساتها المالية والإدارية.
اليوم وبعد أكثر من عقد من الزمن، أصبحت الدولة تملك من القوة ما يمكنها من خوض معركة التحرير ضد مليشيات الحوثي، واستعادة السيادة الكاملة للدولة براً وبحراً وجواً. هذه القوة تجلت بوضوح في منع الطائرة الإيرانية التابعة لشركة "ماهان إير" في 13 يوليو الماضي، والتي كانت عائدة من إيران، وتقل على متنها خبراء إيرانيين ومختصين في تطوير الطائرات المسيرة ومنظومات الصواريخ، إضافة إلى عدد من العناصر العسكرية والأمنية، وفق المجلس الرئاسي. فما كان من وزارة الدفاع إلا قصف مدرج مطار صنعاء الدولي بالطيران الحربي بطريقة مشروعة، بعد تحذيرات متوالية لإيران من إختراق حرمة المجال الجوي اليمني، ولكنها حولت مسارها بعد ذلك نحو الحديدة. هذا القصف ليس مناورة سياسية عابرة، ولا تدريب روتيني لإختبار قدرة الطيران بعد تأهيلة، بل هو نوع من التحدي المشروع والذي بدوره يحمل دلالة واضحة لمشروع إيران، أن الحكومة والجيش قادران على استعادة السيادة الوطنية للجمهورية اليمنية سلماً أو حرباً، وعلى الطرف الأخر أن يستوعب الدرس ويفهم الرسالة.
بالنسبة للجيش فهو على أتم الاستعداد لخوض المعركة الفاصلة في تاريخ اليمن النظالي والعسكري، وينتظر فقط الإشارة الخضراء من القيادة العليا، ليطلق الرصاصة الأولى في سبيل معركة كرامة الإنسان. فالجبهات مشتعلة على خطوط التماس، والشعب نفد صبره من تجارب السنوات الماضية مع اللاسلم واللاحرب، وعلى مر هذه السنوات لم تدع المليشيا شيئاً نظيفاً إلا ونجسه ، ولا مقدس إلا ودنسه، فالمواطن في المناطق التي يسيطرون عليها يقاوم الحياة دون أدنى مقوماتها، لاراتب موظفين، لا تعليم، لا خدمات، بل وفرض عليهم الجبايات والضرائب والزكاة التي أثقلت كاهلهم. ويتوازى ذلك مع تهيئة دمج كافة التشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية، وهذا يعني أن الحكومة أصبحت تملك رؤية هندسية جديدة وفكرة حكيمة وعقلية رشيدة في مسار عملية إستعادة الدولة وإنهاء الإنقلاب.
عالميا، الحوثي في خندق كبير سياسياً وعسكرياً ودبلوماسيا، بعد كل هذه التجاوزات الذي أحدثها على مستوى الدولة والإقليم، من ناحية كونة مصنف ضمن قائمة الإرهاب، ومن ناحية أخرى يُعد ذراعاً من أذرع إيران متشبعاً بالإيديولوجيا الشيعية، لا يمكن السلام معه بأي حال من الأحوال. مؤخراً فرضت المليشيات حصاراً بحرياً على سفن الشحن السعودية في 20 يوليو الماضي، وهو ما كلف الرياض أثمان باهضة على تغيير إتجاة ناقلاتها، فقد أظهرت بيانات تتبع السفن أن ناقلات ترفع العلم السعودي غيرت مسارها في خليج عدن خلال الأيام القليلة الماضية متجهة نحو جنوب إفريقيا، وقبل ذلك قال متحدث الجماعة يحيى سريع في بيانه أنه تم إجبار ثمان سفن نفطية سعودية على تغيير مسارها باتجاة الرجاء الصالح. إن تهديد الحوثي للملاحة البحرية في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن ليس مجرد تهديد عسكري يحتاج إلى حل دبلوماسي، بل قرصنة بحرية خطيرة، ويتوجب على رئيس مجلس القيادة الرئاسي والمجتمع الدولي موقفاً قوياً لردع هذه الجماعة المتعجرفة عما تقوم به من زعزعة أمن واستقرار الملاحة البحرية في البحر الأحمر وباب المندب، فاستهداف أي ناقلة في هذا الموقع الإستراتيجي الهام، لا يعني فقط تصفية حسابات إقليمية، بل يُقرأ على أنه تنفيذ لمخططات إيران في المنطقة، ويمثل تهديداً مباشراً للتجارة العالمية ومراكز الطاقة.
مع كل هذا الضجيج والفوضى الذي أحدثه الإنقلاب فهو يدرك حقيقة واحدة لا تغيب عن تفكيره: عزلة دولية تحيط به، وشعب على أهب الاستعداد للثوران علية، وجيش ينتظر جرس ساعة الصفر أن يقرع. مع إشتعال الجبهات في كل من تعز والضالع والبيضاء ومأرب، وعي الحوثي قرب اجتثاثة وما له من قرار، فلجأ لمحاولة إستباق الوقت وإثارة الفوضى وقصف الجيش الوطني في مأرب وحضرموت وقصف ميناء المخاء. الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ومقتل خامنئي، والقصف الإسرائيلي على لبنان ومقتل حسن نصر الله، إضافة إلى إضعاف الحشد الشعبي العراقي وتعرضة هو الأخر للقصف، كل هذا جعل الحوثي متخبطاً وتائها ودون رؤية واضحة لمستقبلهم الشيعي في المنطقة، فلجأ إلى إشعال الصراعات الداخلية والخارجية، وإرباك المشهد الإقليمي والدولي في باب المندب.
الخلاصة، أن مسألة إستعادة الدولة اليوم كامل السيادة أقرب من أي وقت مضى، وبإمكان الحكومة أن تقرر ذلك بالزمان والمكان المناسبين، فالقوة الدفاعية والعسكرية موجودة، والشرعية اليوم لا تحتاج سوى إرادة قوية وعزيمة وطنية لإعلان الحرب واستعادة الدولة، وهنا يبقى السؤال مفتوحاً: متى تتحرر الدولة؟