لم يعد التصعيد الأخير في اليمن مجرد جولة جديدة من جولات القصف المتبادل بين جماعة الحوثي والقوات الحكومية، بل يأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها حسابات الحرب والسلام في اليمن مع أمن البحر الأحمر، وأمن السعودية، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، والتطورات المتسارعة في غزة.
الهجوم الحوثي الواسع على مدينة المخا ومينائها، بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، بالتزامن مع محاولة استخدام زورق مفخخ واستهداف منشآت حيوية ومدنية، يمثل انتقالًا مهمًا في طبيعة الرسائل العسكرية. ووفق التقارير المحلية، أدى الهجوم إلى مقتل سبعة أشخاص وإصابة 15 آخرين، فيما أعلنت المقاومة الوطنية إسقاط 11 طائرة مسيّرة. وفي المقابل، قال الحوثيون إن عمليتهم استهدفت تحشيدات عسكرية ومخازن أسلحة في المنطقة.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا قصف الحوثيون؟ بل: لماذا المخا الآن، ولماذا بهذا الحجم، ولماذا بالتزامن مع اتساع المواجهات في أكثر من جبهة؟
اختيار المخا يحمل دلالة تتجاوز القيمة العسكرية المباشرة للهدف. فالمدينة تقع على الساحل الغربي لليمن، بالقرب من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وتمثل بالنسبة للقوات المناهضة للحوثيين نقطة ارتكاز عسكرية واقتصادية وسياسية. ولذلك فإن ضرب الميناء والمنشآت المرتبطة به لا يوجّه رسالة إلى القوات الموجودة في الساحل فقط، وإنما يوجّه رسالة إلى كل الأطراف التي تراهن على تثبيت وجود الدولة والقوات الحكومية على الشريط الساحلي.
والأكثر دلالة أن الهجوم جاء بعد تصعيد عسكري للقوات الحكومية في جبهات الساحل ضد مواقع وقدرات حوثية. وهنا تظهر أولى حلقات الصورة: تقدم عسكري للقوات المناهضة للحوثيين في الساحل، يقابله رد حوثي واسع على المخا، يتبعه استهداف منشآت حيوية ومدنية، بما يعيد الساحل الغربي إلى دائرة التصعيد.
بهذا المعنى، يمكن قراءة الهجوم باعتباره محاولة لمنع انتقال المعركة من حالة الاحتواء إلى حالة تغيير ميداني حقيقي. فالهدوء النسبي الذي ساد الجبهات اليمنية خلال السنوات الماضية لم يكن يعني انتهاء الصراع، وإنما تجميدًا نسبيًا لمعادلاته العسكرية. واتفاق استوكهولم، الذي ركّز خصوصًا على الحديدة والساحل الغربي، وضع قيودًا وترتيبات جعلت أي تغيير عسكري واسع في هذه المنطقة أكثر تعقيدًا. وبالتالي، فإن عودة القتال إلى الساحل تحمل سؤالًا أكبر: هل يجري كسر إحدى آخر القواعد التي أبقت خطوط التماس مجمدة منذ سنوات؟
وتظهر هنا فجوة مهمة بين الرواية العسكرية والأثر السياسي للعملية. فالحوثيون يقولون إنهم استهدفوا تحشيدات ومخازن أسلحة ومعدات عسكرية، لكن اختيار ميناء ومنشآت حيوية في مدينة مأهولة يجعل العملية، بصرف النظر عن الرواية التي يقدمها كل طرف، ذات أثر سياسي واقتصادي وإنساني واسع. وهذا بالضبط ما جعل الهجوم يستدعي إدانات وتحذيرات دولية.
وقد رحبت السعودية وقطر ببيان مجلس الأمن الذي أدان الهجمات الحوثية، في إشارة إلى أن الرياض لا تتعامل مع التصعيد باعتباره مسألة عسكرية يمنية داخلية فحسب، وإنما باعتباره تهديدًا للأمن الإقليمي والملاحة والاستقرار. كما أن الهجوم على منشأة ساحلية حيوية يضع الحوثيين أمام معادلة مختلفة؛ فكلما اتسعت الهجمات على الموانئ والملاحة والمنشآت المدنية، أصبحت القضية أكثر قابلية للتحول من نزاع يمني إلى ملف أمن إقليمي ودولي. وهذا قد يكون أحد أهداف الحوثيين، أو على الأقل إحدى نتائج تصعيدهم التي يدركونها جيدًا.
وهناك أكثر من قراءة لما يريده الحوثيون من هذا التصعيد، وليس بالضرورة أن تكون واحدة منها هي التفسير الوحيد. فالاحتمال الأول أن الحوثيين يريدون كسر المسار الذي بدأت تتجه إليه القوات الحكومية في الساحل. فإذا كانت القوات المناهضة لهم قد بدأت في تنفيذ عمليات أكثر كثافة ضد مواقعهم، فإن الرد على المخا قد يكون رسالة مفادها أن أي محاولة لتغيير خطوط التماس ستقابل بتوسيع دائرة النار.
أي أن الحوثي لا يريد بالضرورة تحقيق مكاسب ميدانية كبيرة في المخا، بقدر ما يريد منع خصومه من تحقيق مكاسب ميدانية كبيرة، وهذا فرق مهم. ففي الحروب الممتدة، قد يكون الحفاظ على الوضع القائم هدفًا بحد ذاته، خصوصًا عندما يكون الوضع القائم يمنح أحد الأطراف سيطرة استراتيجية على مناطق واسعة.
والاحتمال الثاني أن الحوثيين يريدون نقل تكلفة الحرب إلى مستوى إقليمي. فعندما تتعرض القوات الحكومية لضربات داخلية، ثم يأتي الرد الحوثي على منشأة استراتيجية، ثم يترافق ذلك مع تهديدات للملاحة واستهداف السعودية، تصبح الرسالة واضحة: إذا استمر التصعيد العسكري في اليمن، فلن تبقى كلفته محصورة داخل الجبهات اليمنية.
وهذا نوع من الردع غير المباشر؛ فالهدف ليس فقط ضرب الخصم، بل دفع داعميه الإقليميين إلى إعادة حساباتهم. ومن هنا يمكن فهم أهمية الترحيب السعودي بإدانة مجلس الأمن؛ فالرياض تريد تثبيت معادلة سياسية واضحة تقول إن استهداف الأراضي والمنشآت المدنية والممرات البحرية لا يمكن التعامل معه باعتباره جزءًا طبيعيًا من الحرب اليمنية.
أما الاحتمال الثالث، فهو أن الحوثيين يحاولون تثبيت قواعد الأمر الواقع ومنع الحسم العسكري، وهي قراءة أكثر ارتباطًا بمستقبل التسوية. فقد يكون الحوثيون يحاولون الحفاظ على المعادلة التي تشكلت خلال سنوات الهدنة وخفض التصعيد: لا حرب شاملة، ولكن لا تغيير جوهري في موازين السيطرة أيضًا.
بمعنى آخر: لا سلام نهائي يعيد بناء الدولة، ولا حرب شاملة تسمح للخصوم باستعادة المناطق بالقوة. وهذا النوع من "الجمود المسلح" كان أحد أبرز سمات الملف اليمني خلال السنوات الماضية. ولهذا فإن أي تحرك عسكري جاد على الساحل أو مأرب أو تعز يمكن أن يُنظر إليه من جانب الحوثيين باعتباره محاولة لكسر التوازن الذي استفادوا منه طويلًا.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم لماذا تحظى المخا بهذه الأهمية. فهي ليست مجرد نقطة جغرافية على البحر الأحمر، وإنما جزء من معادلة أكبر تتعلق بالساحل الغربي، وباب المندب، والموانئ، وخطوط التجارة، وبقدرة الحكومة اليمنية والقوات المناهضة للحوثيين على بناء حضور عسكري واقتصادي مستقل عن صنعاء.
ومن ثم يصبح استهدافها محاولة لإرسال ثلاث رسائل في وقت واحد: الأولى إلى القوات الموجودة في الساحل، ومفادها أن التقدم لن يكون بلا كلفة؛ والثانية إلى الحكومة اليمنية ومجلس القيادة، ومفادها أن أي محاولة لإعادة فرض الدولة بالقوة ستواجه برد واسع؛ والثالثة إلى الإقليم والمجتمع الدولي، ومفادها أن الملف اليمني لا يمكن فصله عن أمن البحر الأحمر والملاحة الإقليمية.
وهذه الرسالة الثالثة هي الأخطر؛ لأنها تجعل الحوثيين طرفًا قادرًا على التأثير في حسابات دول أكبر منهم بكثير.
ومن المبكر القول إن الهجوم هدفه المباشر "تثبيت اتفاق استوكهولم"، لكن يمكن فهمه ضمن صراع أوسع حول قواعد الاشتباك التي تشكلت بعد الاتفاق. فالحدود التي رسمها الاتفاق لم تحل الحرب اليمنية، لكنها ساهمت في تجميد جزء مهم من المعركة حول الحديدة والساحل الغربي. ومن ثم فإن أي عودة واسعة للمواجهات هناك تعني أن أحد أهم الحواجز التي حالت دون تغيير المعادلة العسكرية بدأ يتآكل.
وإذا كان الحوثي يعتقد أن خصومه يحاولون استغلال اللحظة الإقليمية الحالية لإعادة فتح جبهة الساحل، فإن التصعيد قد يكون محاولة لإعادة فرض تكلفة سياسية وعسكرية على أي تقدم. وهنا يصبح الهدف الحقيقي ليس الاتفاق كنص قانوني، وإنما المعادلة التي أنتجها الاتفاق على الأرض.
وفي هذه المرحلة، يستحق الموقف السعودي قراءة خاصة. فالرياض رحبت بإدانة مجلس الأمن لهجمات الحوثيين، وهو موقف ينسجم مع توجه سعودي أوسع نحو تحويل ملف أمنها إلى قضية إقليمية ودولية، بدل إبقائه في إطار المواجهة الثنائية مع الحوثيين. وهذا يأتي بالتزامن مع تطور لافت في العلاقات السعودية-الباكستانية-التركية.
وكانت هناك منذ مطلع العام محادثات حول اتفاق دفاعي ثلاثي محتمل بين السعودية وتركيا وباكستان، مع تأكيد تركي سابق أن المحادثات كانت جارية ولم يكن الاتفاق قد وُقّع حينها. وبغض النظر عن الشكل النهائي لهذا الترتيب، فإن الاتجاه الاستراتيجي يبدو واضحًا: السعودية تسعى إلى توسيع شبكة الشراكات الأمنية والدفاعية حولها.
ولا ينبغي اختزال ذلك في اليمن وحده. فالبيئة الإقليمية تغيرت؛ إيران، والبحر الأحمر، وأمن الطاقة، والممرات البحرية، وغزة، وتراجع قدرة النظام الإقليمي القديم على ضبط الأزمات، كلها عوامل تدفع دول المنطقة إلى البحث عن صيغ جديدة للأمن الجماعي.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى التقارب السعودي-التركي-الباكستاني باعتباره جزءًا من إعادة تشكيل أوسع لموازين القوة، لا مجرد تحالف موجه ضد الحوثيين.
وهنا يبرز سؤال آخر: هل هناك علاقة بين هذا التحول وبين إسرائيل؟
ينبغي في هذه النقطة التفريق بوضوح بين التزامن السياسي والارتباط المباشر. فمن الصعب، من دون أدلة استخباراتية أو سياسية معلنة، القول إن إسرائيل دفعت الحوثيين إلى التصعيد أو أن الهجوم على المخا جاء ردًا مباشرًا على التحالف السعودي-التركي-الباكستاني.
لكن من المشروع سياسيًا أن نسأل عن أثر إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية على إسرائيل. فصعود ترتيبات أمنية إقليمية أكثر استقلالًا عن إسرائيل والولايات المتحدة قد يغيّر حسابات القوة في المنطقة، خصوصًا إذا تحولت هذه الترتيبات إلى أطر تعاون دفاعي وسياسي واقتصادي طويلة الأمد.
وهنا تأتي غزة بوصفها عاملًا رابطًا. فالتطور الإسرائيلي الأخير أكثر وضوحًا من فرضية وجود علاقة مباشرة بالتصعيد اليمني. فقد أعلن بنيامين نتنياهو رفض إسرائيل خطة النقاط الـ15 التي طرحها "مجلس السلام" بشأن غزة، مع تأكيده عدم القبول بانسحاب إسرائيلي من القطاع قبل نزع سلاح حماس بصورة فعلية.
وهذه الخطوة مهمة لأنها تكشف فجوة متزايدة بين الرؤية الأمريكية التي تسعى إلى بناء إطار سياسي للحرب في غزة، وبين الحسابات الإسرائيلية التي ترفض التنازل عن شروطها الأمنية والسياسية الأساسية.
وهنا تظهر مفارقة استراتيجية؛ ففي الوقت الذي تحاول فيه واشنطن بناء ترتيبات إقليمية ودولية جديدة للحرب والسلام، قد تجد نفسها أمام حكومة إسرائيلية غير مستعدة لقبول بعض مخرجات هذه الترتيبات.
وهذا يمكن أن يفاقم أحد أخطر المخاطر على إسرائيل: العزلة السياسية. لكن العزلة لا تعني بالضرورة ضعفًا عسكريًا، بل قد تعني اتساع الفجوة بين القوة العسكرية والقبول السياسي. وهذه الفجوة مهمة جدًا في الشرق الأوسط الجديد؛ لأن استمرار الحروب دون أفق سياسي يخلق تدريجيًا تحالفات مضادة، ويمنح خصوم إسرائيل مساحة أكبر لإعادة ترتيب صفوفهم.
ومع ذلك، فإن فرضية أن إسرائيل تحاول خلط الأوراق تحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فرفض نتنياهو لخطة ترامب لا يثبت أنه يتحرك بهدف إفشال التحالفات السعودية-التركية-الباكستانية، ولا يثبت وجود علاقة مباشرة بين القرار الإسرائيلي والتصعيد الحوثي.
لكن هناك شيئًا أكثر وضوحًا: المسارات الإقليمية لم تعد تتحرك في ملفات منفصلة. غزة تؤثر في العلاقات العربية-الإسرائيلية، والعلاقات العربية-الإسرائيلية تؤثر في الحسابات الأمريكية، والولايات المتحدة تؤثر في أمن البحر الأحمر، والبحر الأحمر يؤثر في اليمن، واليمن يؤثر في أمن السعودية، وأمن السعودية يدفع الرياض إلى إعادة بناء شبكاتها الدفاعية. وبالتالي فإن ما يبدو كأحداث منفصلة قد يكون في الحقيقة أجزاء من بيئة استراتيجية واحدة، وهذا هو المستوى الذي يجب أن تُقرأ فيه الأحداث.
وفي هذا السياق، تكتسب إدانة مجلس الأمن للهجمات الحوثية أهمية خاصة. فهي لا تعني أن المجتمع الدولي انتقل تلقائيًا إلى خيار عسكري ضد الحوثيين، لكنها تمنح الحكومة اليمنية والسعودية ورقة سياسية مهمة. فالرياض تريد تثبيت أن الحوثيين لا يهددون السعودية فقط، بل يهددون الملاحة والأمن الإقليمي ويقوضون فرص السلام.
كما أن أعضاء مجلس الأمن حذروا من أن التصعيد يمكن أن يقوض جهود السلام ويهدد الأمن الإقليمي وحرية الملاحة، ودعوا الحوثيين إلى الامتناع عن التصعيد والعودة إلى قنوات الحوار. وهذا يضع الحوثيين أمام معادلة أكثر صعوبة؛ فكلما وسعوا نطاق الهجمات، زادت قدرتهم على فرض أنفسهم كلاعب إقليمي، لكنهم في الوقت نفسه يزيدون من احتمال تشكل إجماع دولي ضد أدواتهم العسكرية.
وأخطر ما في المشهد ليس الهجوم على المخا وحده، ولا الهجوم على مأرب، ولا استهداف السعودية، وإنما تراكم العمليات. هجوم حوثي، يليه رد حكومي، ثم رد حوثي أوسع، ثم تدخل إقليمي سياسي، ثم تحرك عسكري جديد، ثم سقوط ضحايا مدنيين، ثم ضغط دولي، ثم مزيد من الاستقطاب.
هذه هي الآلية التي تبدأ بها الحروب الكبرى عادةً؛ ليس بقرار واحد، وإنما بسلسلة من القرارات الصغيرة التي يصبح التراجع عنها أصعب بعد كل جولة. واليمن اليوم يقف أمام هذا الاحتمال.
فالمواجهات في مأرب وتعز والضالع والساحل الغربي، إلى جانب استهداف المنشآت الحيوية والملاحة، تعني أن التصعيد لم يعد محصورًا في جبهة واحدة، ولهذا تأتي التحذيرات الدولية من احتمال اتساع الحرب في توقيت شديد الحساسية.
وإذا جمعنا الخيوط، فإن الهدف الحوثي المحتمل لا يبدو محصورًا في احتلال المخا أو تدمير مينائها. الأرجح أن هناك مجموعة من الأهداف المتداخلة: منع خصومه من تحقيق اختراق عسكري في الساحل، ورفع تكلفة أي هجوم حكومي جديد على مواقعه، وإرسال رسالة للسعودية بأن أي تصعيد داخل اليمن يمكن أن يتحول إلى تهديد للأمن الإقليمي، والضغط على الإقليم والمجتمع الدولي لمنع العودة إلى حرب برية واسعة، والحفاظ على وضع تفاوضي قوي قبل أي تسوية سياسية مقبلة، واستثمار اضطراب الإقليم لإعادة تقديم نفسه بوصفه طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية تخص البحر الأحمر واليمن.
ومن هذه الزاوية، فإن الحوثي قد لا يكون راغبًا في حرب شاملة، لكنه يريد أن يثبت أنه قادر على منع خصومه من شن حرب شاملة بشروطهم هم. وهذا هو جوهر الردع الحوثي.
لكن المشكلة التي يواجهها الحوثيون هي أن استراتيجية التصعيد المحدود قد تنجح لفترة، لكنها قد تنتج نتائج عكسية إذا تجاوزت حدًا معينًا. فاستهداف الموانئ والمنشآت المدنية، والهجمات على السعودية، وتهديد الملاحة، واتساع الجبهات الداخلية، كلها عوامل قد تدفع الأطراف الإقليمية التي كانت تفضّل التسوية إلى تبني مقاربة أكثر تشددًا.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية التحرك السعودي. فإذا كانت الرياض تعمل على بناء شبكة شراكات أمنية أوسع، بالتوازي مع تثبيت الموقف الدولي من الهجمات الحوثية، فإن الرسالة للحوثيين قد تصبح أكثر وضوحًا: المواجهة لن تبقى ثنائية بين الحوثيين والسعودية، ولن يُسمح بإعادة تعريف أمن المنطقة من خلال قوة مسلحة خارج مؤسسات الدولة.
والمشهد الحالي لا يسمح حتى الآن بالقول إن حربًا شاملة قد بدأت، لكنه يسمح بالقول إن مرحلة خفض التصعيد الطويلة أصبحت أكثر هشاشة. فالهجوم على المخا ليس حادثًا منفصلًا، والرد الحكومي ليس حادثًا منفصلًا، والهجمات على السعودية ليست منفصلة عن أمن البحر الأحمر، والتحالفات الجديدة ليست منفصلة عن إعادة تشكيل البيئة الأمنية في المنطقة، والخلاف حول خطة ترامب في غزة ليس منفصلًا عن مستقبل العلاقات الإقليمية.
لكن الربط بين هذه الملفات يجب أن يكون استراتيجيًا لا تآمريًا. أي أننا لا نحتاج إلى افتراض وجود غرفة عمليات واحدة تدير كل هذه الأحداث حتى نفهم أنها تؤثر في بعضها. فالمنطقة ببساطة دخلت مرحلة تتداخل فيها الجبهات والمصالح والتحالفات إلى درجة أصبح معها الحدث اليمني قادرًا على التأثير في الحسابات السعودية والإقليمية، كما تستطيع التطورات في غزة وإيران والبحر الأحمر التأثير في مستقبل الحرب اليمنية.
وفي هذه اللحظة تحديدًا، يصبح السؤال الحقيقي ليس: من بدأ الجولة الأخيرة؟ بل: من يستطيع فرض قواعد الجولة التالية؟
فإذا نجح الحوثيون في منع أي تغيير ميداني، وإبقاء الساحل تحت معادلة الردع، وتحويل كل تقدم عسكري إلى أزمة إقليمية، فسيكونون قد حققوا جزءًا كبيرًا من هدفهم حتى من دون تحقيق انتصار عسكري مباشر.
أما إذا تمكنت الحكومة اليمنية والقوات المناهضة للحوثيين، بدعم إقليمي ودولي، من تحويل التصعيد الحوثي إلى إجماع سياسي على ضرورة استعادة مؤسسات الدولة وسيادتها على الموانئ والممرات البحرية، فقد تنقلب استراتيجية التصعيد على أصحابها.
وفي الحالتين، فإن المخا لم تعد مجرد مدينة تتعرض للقصف، لقد أصبحت اختبارًا جديدًا لمعادلة القوة في اليمن، واختبارًا أوسع لقدرة المنطقة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى إعادة بناء نظام أمني إقليمي جديد.