آخر تحديث :الجمعة-21 أغسطس 2026-08:45م

الشيخ علي محمد منصور الحنشي.. سيرة رجل حمل هم الناس والعلم فاستحق أن يكتب اسمه في ذاكرة جحرة

الأحد - 09 أغسطس 2026 - الساعة 08:47 م
علي هادي الأصحري


هناك رجال تمر أسماؤهم على مسامعنا وهناك رجال تمر أفعالهم في حياتنا وتبقى آثارهم شاهدة عليهم مهما تعاقبت السنوات.


ومن هؤلاء الرجال الذين يستحقون أن تروى سيرتهم للأجيال وأن تكتب مواقفهم بماء الوفاء الشيخ علي محمد منصور أحمد الحنشي شيخ بيت أهل العاقل حيدرة منصور ذلك الرجل الذي ارتبط اسمه بالعلم والتعليم وبالإصلاح الاجتماعي والكرم والشهامة وخدمة الناس والوقوف إلى جانب المحتاجين حتى أصبح واحداً من الشخصيات التي تركت بصمة واضحة في منطقة جحرة وما حولها.


ولد الشيخ علي محمد منصور الحنشي عام 1956م ونشأ في بيئة قبلية عرفت الكرم والنخوة والشهامة لكنه منذ سنواته الأولى أدرك أن العلم هو الطريق الذي يمكن أن ينهض بالإنسان والمجتمع.


تلقى تعليمه الأول في مدرسة الكبيدة جحرة تلك المدرسة التي بُنيت على نفقة والده الشيخ محمد منصور ثم واصل دراسته في لودر حتى تخرج وبعدها التحق بالكلية العسكرية إلا أن الظروف السياسية المضطربة التي شهدتها البلاد في سبعينيات القرن الماضي حالت دون إكمال دراسته العسكرية.


وفي تلك المرحلة العصيبة تعرض والده وأعمامه للسجن لأسباب سياسية فعاد الشيخ علي إلى منطقته ولم يتردد في تحمل مسؤولياته بل وضع نفسه في خدمة أسرته وأسر أعمامه وتحمل أعباء الحياة في ظروف لم تكن سهلة.


*من طالب للعلم إلى رجل حمل رسالة التعليم*


التحق الشيخ علي بالعمل التربوي مدرساً في مدرسة جحرة بحكم أن المنطقة كانت نائية وتحتاج إلى من يحمل رسالة التعليم ويصبر على مشاقها.


ولم يكتفِ بالتدريس بل تولى إدارة المدرسة وحوّل الوظيفة بالنسبة له إلى رسالة ومسؤولية.

كان يدرك أن أبناء القرى النائية لا تقل أحلامهم عن أبناء المدن وأن الفارق الحقيقي هو أن يجدوا من يفتح لهم أبواب العلم.


ولهذا عمل على استقدام معلمين من أبين ولودر وكان يحرص على توفير المأكل والمشرب والسكن لهم من منزله وعلى حسابه الخاص حتى يستمر التعليم ولا تتوقف الدراسة بسبب بُعد المنطقة وقلة الإمكانات.

وهكذا لم يكن الشيخ علي مجرد مدير مدرسة بل كان داعماً للتعليم ومؤساً لنهضة تربوية في المنطقة.


*حين هدمت السيول المدرسة لم تهدم عزيمة الرجل*


تعرضت مدرسة الكبيدة جحرة للدمار بسبب الفيضانات وكان من الممكن أن تتوقف مسيرة التعليم في المنطقة لكن الشيخ علي لم يسمح بأن تتحول الكارثة إلى نهاية.

بادر إلى تأسيس مدرسة في عطية جحرة واستقدم الخيام وأدوات التدريس وبدأ الطلاب يتلقون تعليمهم داخل الخيام.


لم ينتظر أن يأتي الحل من أحد ولم يكتفِ بالشكوى بل تحرك بنفسه وتابع وطالب وبذل من وقته وجهده حتى تحقق الهدف وتم بناء المدرسة بشكل كامل.

وهذه المدرسة التي كان يحلم بها ويطالب بها ويعمل من أجلها أصبحت شاهدة على ثمرة جهوده وتخرج منها أبناء منطقة جحرة جيلاً بعد جيل.


خرج منها المعلم والطيار والطبيب وغيرهم من أبناء المنطقة وانطلقت منها مسيرة أجيال كان يمكن أن تبقى أسيرة الجهل والأمية لولا رجال حملوا هم التعليم على عاتقهم.


*لم يكتفِ بتعليم الأطفال بل حارب الأمية بين الكبار*


ومن أجمل ما يُذكر في سيرة الشيخ علي أنه لم ينظر إلى التعليم على أنه مقتصر على الأطفال.

دخل مجال محو الأمية وتعليم الكبار وأشرف على معلمين استقدمهم من الوضيع وحرص على أن يصل التعليم إلى مختلف قرى المنطقة.


وكانت فصول محو الأمية مفتوحة للرجال والنساء في خطوة مهمة في ذلك الزمن حتى استطاعت المنطقة أن تقطع شوطاً كبيراً في مواجهة الأمية.


وقد كرم الشيخ علي تقديراً لجهوده في مجال التعليم من قبل عدد من المسؤولين ومن بينهم الرئيس علي ناصر محمد ومحمد علي أحمد ووزير التربية والتعليم ومنح شهادات تقديرية عرفاناً بما قدمه في خدمة التعليم.


*رجل في الميدان.. ورجل في خدمة الناس*


وفي أحداث حرب عام 1978م بين الشمال والجنوب كان للشيخ علي حضور في الميدان وقاد المعركة حتى الوصول إلى البيضاء.


لكن حياة الشيخ علي لم تكن ميداناً عسكرياً فقط بل كانت ميادين متعددة ميدانٌ للتعليم وميدان للإصلاح وميدان لخدمة المجتمع.

ومن أبرز الأعمال التي ارتبطت باسمه في خدمة أبناء المنطقة السعي لحفر آبار مياه الشرب.


*مناشدة تحولت إلى بئر ماء*


كان الشيخ علي يحمل همّ أهل جحرة ويدرك أن الماء من أهم احتياجات الناس.


وفي عام 1992م عندما قام الرئيس علي عبدالله صالح بأول زيارة له إلى لودر حرص الشيخ علي على جمع أهالي المنطقة في السيارات وعلى حسابه الخاص ليكونوا في استقبال الرئيس مستغلاً المناسبة لإيصال مطالب أبناء جحرة.


وسلم رسالة تطالب بحفر بئر لمياه الشرب في جحرة وبئر الكمع.

واستجاب الرئيس للمطلب ووجه القائد العسكري الذي كان موجوداً في لودر آنذاك عبدالله طريق بمتابعة الأمر.


وفي اليوم التالي حضر عبدالله طريق إلى منزل الشيخ علي حيث استقبل وأُكرم كضيف ثم حضر الحفار وبدأ العمل وتم حفر بئر مياه الكمع.

كان ذلك المشهد بالنسبة للشيخ علي ولأهالي المنطقة فرحة لا توصف لأن الماء ليس مجرد بئر بل حياة وكرامة واستقرار لأهالي المنطقة.


*شيخ تحل عنده الخصومات قبل أن تصل إلى الشرطة*


ولعل الجانب الأبرز في شخصية الشيخ علي هو الإصلاح بين الناس.


فبيته مفتوح للجميع يأتي إليه الناس من مختلف القبائل والمناطق يحملون إليه خلافاتهم ومشاكلهم ويطلبون رأيه ومشورته.

لم يكن ينتظر أن تصل الخصومة إلى الشرطة بل كان يسعى إلى حلها بالصلح والكلمة الطيبة والعقل والحكمة.


وأحياناً عندما يسمع بوجود مشكلة بين بعض الناس يتحرك في ساعات الليل المتأخرة لأنه يرى أن تأخر الإصلاح قد يؤدي إلى تفاقم الخلاف.


وكان يشارك الناس أفراحهم وأحزانهم فمن أراد الزواج وجده إلى جانبه ومن فقد عزيزاً كان الشيخ علي حاضراً لمواساته ومن كان فقيراً أو محتاجاً لم يتردد في مساعدته.


بل إن الأرض الزراعية التي يملكها لم يجعلها حكراً عليه وإنما كان يسمح للمحتاجين بالاستفادة منها من الحبوب والقصب وغير ذلك.


*بيته مفتوح.. وكرمه لا يعرف القبيلة*


من يدخل بيت الشيخ علي لا يشعر أنه دخل بيت شيخ لقبيلة بعينها بل يشعر أنه دخل بيتاً مفتوحاً لكل الناس.


يكرم الضيف ويغيث المحتاج ويساعد الفقير ويشارك الناس أفراحهم وأتراحهم ولا يسأل المحتاج عن قبيلته قبل أن يقدم له العون.

وهذه هي الشهامة الحقيقية أن يكون الإنسان سنداً للناس دون انتظار مقابل.


*هيبة بلا تكبر.. وكلمة بلا مجاملة*


للشيخ علي مكانة واحترام بين الناس لكنه لم يصنع هيبته بالصوت المرتفع ولا بالتعالي على الآخرين.

بل صنعها بالمواقف.

فهو رجل متواضع يتحدث مع الصغير كما يتحدث مع الكبير ويستمع للناس ولا يحمل في نفسه كِبراً.


وعندما تطرح القضايا في اللقاءات والمجالس القبلية سواء على مستوى آل بليل أو آل فضل أو غيرهم من قبائل أبين والمحافظات المجاورة يكون لرأيه حضور وتقدير ويطلب قوله ومشورته لأنه عُرف بأنه لا يجامل في الحق ولا يبيع موقفه من أجل إرضاء أحد.

ولهذا كان الناس يمشون بمشورته عندما يرون فيها الصواب والحكمة.


*سليل الكرم والشهامة والنخوة*


الشيخ علي محمد منصور الحنشي ليس مجرد شيخ يحمل لقباً وإنما هو سيرة تمشي على الأرض.

هو رجل جمع بين التعليم والإصلاح وبين القيادة والتواضع وبين الكرم وخدمة الناس.


رجل حمل همّ مدرسة فبذل من ماله وجهده حتى لا يحرم الأطفال من التعليم.

وحمل هم الأمية ففتح أبواب التعليم للكبار والنساء والرجال.


وحمل هم الماء فسعى من أجل الآبار حتى وصل الماء إلى الناس.

وحمل هم المجتمع فأصبح بيته محطة للمتخاصمين ومقصداً للمحتاجين ومكاناً للصلح والإصلاح.

وحمل هم الفقراء فلم يبخل بما يستطيع.


وحمل هم الضيف فكان بيته عامراً بالكرم.

وحمل هم القبيلة والمجتمع فكان حاضراً في الملمات والمناسبات لا يتأخر عن واجب ولا يتخلى عن محتاج.


*✍️ كلمة أخيرة*

مهما كتبنا عن الشيخ علي محمد منصور الحنشي فلن نوفيه حقه لأن الحديث عن رجل قضى سنوات طويلة من عمره في خدمة الناس والتعليم والإصلاح يحتاج إلى صفحات وصفحات وربما إلى كتاب كامل يوثق مسيرته ومواقفه.


وما كتبناه هنا ليس إلا شهادة وفاء متواضعة لرجل يستحق أن تحفظ سيرته في ذاكرة الأجيال.

فالرجال لا تقاس أعمارهم بعدد السنوات التي عاشوها وإنما بما تركوه خلفهم من أثر.


والشيخ علي ترك أثراً في مدرسة وفي طالب وفي معلم وفي بئر ماء وفي أسرة محتاجة وفي خصومة انتهت بالصلح وفي قلب فقير وجد يداً تمتد إليه وفي قرية تعلم أبناؤها بعد أن كان شبح الأمية يخيّم عليها.


تلك هي الثروة الحقيقية للإنسان.

وتلك هي المكانة التي لا تمنحها المناصب ولا الألقاب وإنما يصنعها العمل والمواقف وحب الناس.


فله منا كل التحية والتقدير والاحترام ولعل أبناء منطقة جحرة وأبناء أبين عامة يدركون قيمة الرجال الذين أفنوا أعمارهم في خدمة مجتمعهم.


*رحمة الله على الشيخ علي محمد منصور الحنشي وأسكنه فسيح جناته وجزاه عن أهله ومنطقته وكل من مد له يد العون خير الجزاء.*


*فهو بحق.*

*رجل من زمن الرجال وسيرة تستحق أن تروى للأجيال.*