يعيش الحوثيون حالة مأزومة، بدليل لجوئهم إلى استخدام القوة المفرطة بكل ما يملكون من أسلحة، وفي اتجاهات متعددة، لاستهداف جنود آمنين داخل ثكناتهم وليسوا في مواجهة مباشرة على الجبهات، فضلا عن الاعتداء على مدنيين عزل في منازلهم أو مخيمات النازحين. ويبقى السؤال: هل يستطيع الحوثيون تحويل هذه العمليات الإرهابية إلى انتصار عسكري وسياسي؟
الهجوم المباغت والمتعدد الذي استهدف جنودا داخل ثكناتهم ومواقعهم، وليس قوات في مواجهة مفتوحة على جبهات القتال، قد يمنح الحوثيين مكسبا إعلاميا مؤقتا، وقد يترك أثرا مؤلما في نفوس اليمنيين، لكنه لا يعني بالضرورة تغييرا في موازين الحرب أو تحقيق انتصار استراتيجي. فالانتصارات لا تقاس بعدد الصواريخ والطائرات المسيرة التي تطلق، وإنما بما تنتجه في نهاية المطاف من نتائج على الأرض، وبقدرة الطرف المهاجم على فرض إرادته السياسية والعسكرية. والحوثي، مهما امتلك من أدوات للإرهاب، لا يستطيع أن يجعل من كل عملية إرهابية انتصارا، ولا من كل جريمة تحولا استراتيجيا في مسار الحرب.
في المقابل، هناك حقيقة أخرى ينبغي ألا تقرأ بصورة خاطئة. فحالة الامتعاض الشعبي من تعامل الشرعية مع هذا الأمر، وارتفاع الأصوات المطالبة بالتحرك والحسم، لا تعني بالضرورة أن اليمنيين فقدوا ثقتهم بالدولة أو أنهم يريدون بديلا عنها. فاليمني الذي ينتقد الشرعية لأنها تأخرت في اتخاذ القرار، لا يقول بالضرورة: لا نريد الشرعية؛ بل يقول: نريد أن تقوم الشرعية بدورها :دولة تتحرك، وجيشا يبادر، وقرارا يضع حدا لحالة الاستنزاف المفتوحة، ونريد الخلاص من مشروع الحوثي. وهذا فارق جوهري ينبغي أن تدركه القيادة السياسية والعسكرية، فالانتقاد هنا في جانب كبير منه تعبير عن حجم الرهان على الدولة، وعن رغبة اليمنيين في أن يروا الشرعية قادرة على حماية أبنائها واستعادة زمام المبادرة.
اليمنيون صبروا طويلا، وتحملوا سنوات من الحرب والانقلاب والقتل والتشريد والفقر والاستنزاف. لكن الحوثيين، بتصعيدهم الأخير الذي ما يزال مستمرا حتى هذه اللحظة بل ويتصاعد، لم يغيروا فقط مستوى المواجهة، بل رفعوا أيضا فاتورة الرد. فبعد كل ما حدث ويحدث، لن يكون من السهل إقناع الشارع بأن الاكتفاء ببيانات الإدانة أو ردود الفعل المحدودة تجاه مصدر النيران يمثل استجابة كافية. ولذلك فإن أي رد لا يتناسب سياسيا ومعنويا مع حجم الاعتداء قد يفهم شعبيا على أنه تراجع أو عجز، حتى لو كانت له مبرراته العسكرية أو السياسية.
*لكن الخلاص قرار دولة، وليس رد فعل عابرا؛ فالحرب لها حساباتها وكلفتها وتبعاتها، وتحتاج إلى خطة واستعداد وقدرة على الاستمرار. لذلك فالمطلوب ليس اندفاعا، وإنما قرارا محسوبا يبنى على قراءة دقيقة للواقع والاستعداد لما يترتب عليه. فالحرب ليست نزهة، والقرارات الكبرى لا تتخذ تحت تأثير الغضب وحده، بل تحتاج إلى رؤية واضحة لما قبل المواجهة وأثناءها وما بعدها.*
*وقرار الخلاص يجب أن يكون حاضرا على طاولة الدولة، لا بوصفه شعارا عاطفيا، وإنما بوصفه هدفا وطنيا واستراتيجيا يحتاج إلى إعداد جاد، وخطة واضحة، وقدرة على التنفيذ. فالمسألة ليست مجرد رد على هجوم أو استعادة لهيبة بعد اعتداء، وإنما قرار يتعلق بمستقبل بلد أنهكته سنوات الحرب والاستنزاف.*
وهنا ينبغي للقيادة أن تنظر إلى الشارع اليمني بطريقة مختلفة. فالشعب الذي يطالب الشرعية بالتحرك ليس خصما لها، *والأصوات التي تسأل: متى تتحرك الدولة؟ هي أصوات شعب تعب من الانتظار، ويريد أن يرى نهاية لمعاناته، ويريد أن يشعر بأن دماء جنوده وأبنائه لم تذهب سدى. ولذلك فإن أفضل طريقة لبناء الثقة ليست بالبيانات وحدها، وإنما بالقرار، وبالفعل، وبالقدرة على حماية الناس*.
وفي بندقية الدولة ناران لا ينبغي الفصل بينهما: نار الحفاظ على البلد، ونار حماية الشعب. والشعب هو صاحب الحق الأول والأخير في الأمن والاستقرار والعيش الكريم، وهو في نهاية المطاف صاحب الكلمة الفصل في مستقبل وطنه. وحين يطالب اليمنيون الشرعية بالتحرك للخلاص من الحوثي، فإنهم لا يسحبون منها الشرعية، بل يطالبونها بأن تستخدم شرعيتها وإمكاناتها لإنجاز المهمة المنتظرة منها.
طال الانتظار، وطال الاستنزاف، وتراكمت الخسائر، والمرحلة التي يعيشها اليمن اليوم لا تحتمل المزيد من الدوران في الحلقة ذاتها، ولا *الوقوع مجددا في مصيدة السلام والهدنة من طرف واحد*. فالمطلوب ليس رد فعل متسرعا، ولا مغامرة عسكرية غير محسوبة، وإنما قرار دولة؛ قرار يستند إلى القوة والعقل، وإلى ترتيب البيت الداخلي، وحشد الإمكانات، ومعرفة دقيقة بما تريد الدولة تحقيقه وكيف ستصل إليه.
فإذا كان الحوثي قد اختار أن يرفع سقف المواجهة، فعلى الدولة أن تعرف كيف تجعل هذا التصعيد نقطة تحول في مسار الحرب، لا مجرد جولة أخرى من جولات الاستنزاف بفعل التسويف وطول الانتظار.
الشعب الذي يقف اليوم مطالبا بالخلاص لا ينبغي أن يتجاهل صوته، بل ينبغي أن يسمع. وما دام اليمنيون متمسكون بدولتهم وحقهم في استعادة وطنهم، فإن مشروع الحوثي ليس قدرا ابديا على اليمن.
حان الوقت لأن تتحول مرحلة الانتظار إلى مرحلة إعداد وقرار وفعل. فالخلاص لا يأتي بالأمنيات، وإنما بإرادة دولة تعرف ماذا تريد، ومتى تتحرك، وكيف تنتصر على مليشيا أرهقت اليمن، وأثخنت في أبنائه، وعاثت في البلاد فسادا، وما تزال.