طالعتُ منشورا للصحفي علي المقري على صفحته بعنوان محاكمة علي ناصر وتناقلته بعض المواقع الإخبارية، تضمّن اتهاما مباشراً للرئيس علي ناصر بالمسؤولية عن أحداث يناير المؤسفة، بل تجاوز ذلك إلى الدعوة لمحاكمته. وقد بدا لي أن المنشور لا يقتصر على عرض رأي أو قراءة تاريخية، وإنما يعكس موقفاً سياسياً وتحاملا واضحاً تجاه الرئيس علي ناصر، ويفتقر إلى قراءة موضوعية لما ورد في المقابلة.
اللافت أن المنشور قد تجاوز حدود النقد وابداء الرأي إلى توجيه الاتهام والدعوة إلى محاكمة طرف سياسي وتحميله مسؤولية ما جرى، بل مضى المنشور بعيداً في خطاب موجه سعى إلى اختزال عقود من تاريخ مناضل وقائد سياسي استثنائي بحجم الرئيس علي ناصر، وتأطير مسيرته في سياق حدث تاريخي صيغت تفاصيله وفق رؤية كاتب المنشور في محاولة مكشوفة للتأثير في القارئ ودفعه إلى تبني هذه الرواية بوصفها الحقيقة، وفي المقابل لم أجد مبررا موضوعيا أو تفسيرا منطقياً لهذا القدر من التحامل، لا سيما أن كاتب المنشور، في حدود علمي، لم يكن طرفاً في تلك الأحداث، ولم يكن من المتضررين منها بصورة مباشرة.
المثير للدهشة أن المتابع لا يجد في حديث الرئيس ما يثير أو يبرر ردة الفعل هذه، فهو لم يتنصل من مسؤوليته، كما لم يسع إلى تحميلها لخصومه السياسيين وحدهم، بل قال بوضوح وشجاعة : "نتحمل المسؤولية جميعًا." وهي عبارة تحمل قدرا من الإنصاف والاعتراف بالمسؤولية الجماعية عما حدث.
إن حديث الرئيس ناصر وكتاباته، وحديث السيد المرحوم البيض، وحديث المهندس حيدر العطاس وغيرهم ممن أدلى بدلوه في أحداث يناير المؤسفة بين رفقاء الحزب الواحد، وغيرها من الأحداث والانقلابات التي عصفت باليمن شمالاً وجنوباً، ينبغي أن تقرأ في سياق تاريخي، وتوضع في عهدة الباحثين والمهتمين. واي مقاربة من هذا النوع تخرجها عن سياقها هذا تهدف إلى إبقاء الجنوب أسيرا لصراعات الماضي وإغلاق الباب أمام أي محاولة لمعالجة آثارها.
لقد دفع الجنوبيون بمختلف توجهاتهم ثمناً كبيراً جراء تلك الأحداث المؤسفة، وما زالنا ندفعه حتى اليوم، كما عبر عنه الرئيس ناصر، فعلى مستوى الوطن تعثر مشروعنا في بناء الدولة المدنية، وترسيخ قيم التعايش والاعتدال، وسياسة الانفتاح على دول الجوار، والدفع بالجنوب إلى وحدة غير عادلة.
وإزاء استمرار استدعاء تلك الأحداث مع كل مناسبة يتم فيها الحديث عن السلام، وفرص التسوية السياسية للأزمة اليمنية،
تعود إلى الواجهة، مرة أخرى تلك الحملات الموسمية، تستهدف مشروع اليمن الكبير وأحد أبرز رموزه.
إن الوعي الذي تتسلح به المجتمعات هو حصنها الآمن، وركيزتها إلى النهوض، وإن ثقافة التسامح والتصالح جسر يقرب المسافات ويجمع الفرقاء في مواجهة دعوات التمزيق والانقسام.
وهذا هو ما يحتاجه اليمن اليوم لبناء جسور الثقة بين أبنائه، مع توجيه الاهتمام إلى التحديات الوطنية الملحة التي تستحق أن تتصدر أولويات المثقفين والسياسيين بما يسهم في التخفيف من معاناة أبنائه في الداخل وفي الشتات، فالمستقبل لا يُبنى بإحياء نزاعات الأمس، بل بتوحيد الجهود لمعالجة قضايا الحاضر وصناعة أفق أكثر استقراراً وعدالة للجميع.
خلاصة القول، ما قاله الأعشى:
كناطح صخرة يومًا ليوهنها ... فلم يضرها، وأوهي قرنه الوعل