تتزاحم على قلمي كلُّ أحرف العالم، في زمنٍ كثرت فيه المظالم، وأصبح للوجع أبجديةٌ لا تنتهي.
ماذا أقول عنك؟ وأيَّ أبجديةٍ أختار؟ كلما كتبتُ عنك، لم يقتنع قلمي، وخاصمتني صفحاتُ الورق التي فجّرت في وجهي عتابها: بأيِّ خاطرةٍ أستعين بها لتخدمني في تأنيب الضمير؟ وكيف أوفيك حقك؟ وأيُّ حقٍّ هذا؟ إنه حبُّ الوطن، وقوةُ تأثير قلمٍ امتدَّ صداه فوق السهول والمدن.
من أين أبدأ، وكلُّ ما قلته عنك، وما أقوله الآن بين السطور، يشعرني بأنني ما زلتُ مقصرًا؟ لم تقتنع صحائفي، ولم يرضَ القلم أن يضع نقطة النهاية أمام سيرة رجلٍ لم تكن مواقفه قابلةً للاختصار.
فعذرًا لجميع لغات العالم، واعتذارًا لما بقي من حبرٍ في القلم؛ لأنني أرى أن الأبجديات أقلُّ من أن تفيك الثناء، وأضيقُ من أن ترسم ملامح جبينك، أو تصف عواطفك التي لم تنم ذات يوم، ولم تعرف السقم.
أخي علي منصور مقراط، أرجو أن تعذرني أيضًا إن كتبتُ عنك ما لم يخطه قلم، فأنت كسنبلةٍ زُرعت في وادٍ غير ذي زرع، فأعطت أكلها دون حاجةٍ إلى الماء، ولم تبالِ بيومٍ عاصف، ولا بريحٍ حاولت أن تثني قامتها.
أخي، كنتَ الصديق والعشير طيلة عشر سنوات، تعلمتُ منك ما لم يعلّمني أحد: العفوية، والإرادة، والصلابة، والتماسك، والفطنة، والحنكة، وقوة الحجة، والبصيرة. فكنتَ لي معلّمًا، وأخذتُ منك حب الوطن؛ إذ إنك لا ترى غير أن الوطن، مهما تكالبت عليه قسوة العيش، سيبقى وطنًا.
وكنتَ تؤمن أن الليل، مهما طال، لا بد أن يعقبه فجر، وأنه سيأتي هدهد سليمان لينبئ عنا، وعن وطنٍ أنهكته الظلمات، ليقودنا الخبر إلى النور؛ بشخطة قلمٍ ترفض واقعًا تبنّاه كلُّ من رأى نفسه إلهًا لهذا الوطن.
وما أجمل الرجال حين تكون عزوتهم مواقفهم، وقوتهم في ثباتهم، وهيبتهم في صدقهم؛ فالرجل لا يُقاس بعلو صوته، وإنما بعلو موقفه، ولا يُعرف بكثرة من حوله، وإنما بما يتركه من أثرٍ حين يتخلى الآخرون.
واسمح لي إذ نشدت فيك مطلع من نظمي في عزوة الرجال وصلابتهم:
يا عزوةَ الرجالِ إذا المواقفُ أقبلتْ
كنتم لها سيفًا، وكنتمُ سندا
لا الريحُ تهزُّ من الصخورِ عزيمةً
ولا العواصفُ إن أتتْكم أبعَدا
إن الرجالَ مواقفٌ في شدّةٍ
وبها يُرى معدنُ الرجالِ إذا بدا
يمضي الأصيلُ ولا يبيعُ مبادئًا
فالحرُّ يبقى في المواقفِ سيّدا
أخي علي منصور مقراط...
اسمح لي أن أطلق عليك لقب «نجاشي القلم»؛ لأنك لم تجعل القلم وسيلةً للكتابة فحسب، بل جعلته شاهدًا على عصرٍ كامل، وحاملًا لأرشيف المظالم والتهميش والإقصاء، ومدافعًا عن كوادر عشقت هذا الوطن، بل عن بقايا وطنٍ أنهكته الأيدي التي لم تعرف قيمة الوطن إلا حين جعلته غنيمة.
أنتَ أرشيفُ المظالم، وضميرُ القلم، وصوتُ الذين لا صوت لهم.
وإن كان للصحافة ضمير، فأنت أحدُ شهوده؛ وإن كان للقلم نجاشيٌّ يحمي حروف المظلومين، فأنت نجاشيُّ الضيم، الذي لم يبع ضميره في سوق المصالح، ولم يبدّل مواقفه كلما تبدّلت الرياح.
ولذلك، كلما حاولتُ أن أكتب عنك، شعرتُ أنني لا أكتب عن رجلٍ فحسب، وإنما أكتب عن مرحلة، وعن ذاكرة وطن، وعن وجع أناسٍ ظلوا ينتظرون أن يخرج من بين ركام الصمت صوتٌ يقول: كفى!
فلك مني، يا أخي وصديقي وعشير السنين، تحيةُ قلمٍ لقلم، ووفاءُ رجلٍ لرجل، ومحبةُ صاحبٍ لصاحب؛ ولعلّ أجمل ما يمكن أن أختم به هو أنني، بعد كل هذه السطور، ما زلت أشعر أنني لم أقل فيك ما يستحقه مقامك.
بقلم المستشار والأديب
مختار راجح