آخر تحديث :السبت-05 سبتمبر 2026-08:39ص

بَشّار… حُلمٌ أطفأته البندقية

السبت - 08 أغسطس 2026 - الساعة 02:12 م
عمر الحار


لم أستوعب بعدُ كيف يمكن لشابٍّ في مقتبل العمر، مؤهَّلٍ في مجالٍ علميٍّ مميّز، ونجح في أن يصنع لنفسه موطئ قدمٍ في مهنةٍ تدرّ عليه دخلاً بالعملة الصعبة، أن يترك كل ذلك خلفه، ويمضي إلى مكانٍ آخر لا يشبه أحلامه، ولا يمتُّ بصلةٍ إلى تخصصه الذي أفنى سنواتٍ من عمره في دراسته وإتقانه.

لم أستوعب بعدُ ذهاب المهندس المعماري الشاب بشّار محسن البريكي، ابن مديرية عرماء بشبوة، إلى صفوف ألوية دفاع شبوة، وهو الذي كانت حياته العلمية والمهنية بعيدةً كل البعد عن المجال العسكري.

وليس في ذلك انتقاصٌ من واجب الانتساب إلى المؤسسة العسكرية، ولا من شرف من يؤدونه، وإنما هو سؤالٌ موجع عن جيلٍ من الشباب دفعتهم ظروف المرحلة إلى أن يتركوا مقاعد العلم، ويبحثوا عن مصدر رزقٍ يؤمّن لهم حياةً تزداد قسوةً يوماً بعد آخر.

كان بشّار واحداً من هؤلاء الشباب الذين كان يحق لهم أن يحلموا طويلاً.

شابٌّ عشريني، يحمل شهادة الهندسة، ويحمل معها طموحاً أكبر من سنوات عمره. أثبت جدارته في عمله الهندسي، وأدار عدداً من المشاريع العامة والخاصة بنجاحٍ لافت، وبدأ يشق طريقه بثقةٍ نحو مستقبلٍ مهنيٍّ واعداً.

كان أمامه الكثير.

الكثير جداً.

كان يمكن أن يكبر مشروعه، وأن تكبر خبرته، وأن يصبح اسمه واحداً من الأسماء الهندسية التي ترفع رأس شبوة، وتثبت أن أبناءها قادرون على صناعة النجاح متى أُتيحت لهم الفرصة.

لكن بشّار رحل في الجمعة الحزينة، وكان الله احب ان يلقاه في احب ايامه.

استُشهد المهندس الشاب في ثكنةٍ عسكرية بحريب مأرب، فانكسر شيءٌ في قلوب كل من عرفه، وعرف أخلاقه، ونجاحه، وأحلامه الصغيرة التي كانت تكبر معه يوماً بعد آخر.

أيُّ وجعٍ هذا الذي يجعل شبوة تستقبل خبر رحيل مهندسٍ شاب، بدل أن تستقبل خبر مشروعٍ جديدٍ أنجزه، أو نجاحٍ حققه، أو إنجازٍ يضاف إلى سجل شبابها؟

أيُّ وجعٍ هذا الذي يجعلنا نرثي شاباً كان ينبغي أن نحتفي به؟

بشّار لم يكن رقماً عادياً في خبرٍ عسكري.

كان إنساناً له وجهٌ وأمٌّ وأبٌ وأهلٌ وأصدقاء، وله أحلامٌ لم تكتمل، وطريقٌ مهنيٌّ لم يبلغ نهايته، وأيامٌ كثيرة كان يستحق أن يعيشها.

ولهذا فإن رحيله لا يوجع أسرته وحدها.

إنه يوجع شبوة.

تخسر شبوة برحيله اليوم شاباً كان يمكن أن يكون إضافةً حقيقية إلى مستقبلها الهندسي، وتخسر معه سنواتٍ من العلم والخبرة والطموح، قبل أن يأخذ هذا الشاب فرصته الكاملة في الحياة.

رحل بشّار في العمر الذي يبدأ فيه الإنسان عادةً بجني ثمار ما تعلّمه، وفي الوقت الذي كان يفترض أن تتسع فيه خطواته، لا أن تنتهي.

رحل، وبقيت أسئلةٌ كثيرة لا تجد لها جواباً.

ماذا لو بقي في مهنته؟

ماذا لو وجد من يحمي طموحه، ويوفر له فرصةً تليق بعلمه؟

ماذا لو كانت شبوة قادرةً على الاحتفاظ بشبابها المتخصصين، بدل أن تدفعهم ظروف الحياة إلى طرقٍ لا تشبه تخصصاتهم وأحلامهم؟

أسئلةٌ قد لا تعيد بشّار.

لكنها تستحق أن تُطرح، حتى لا يصبح رحيل كل شابٍ ناجح خبراً عادياً،  وحتى لا نكتشف دائماً قيمة أبنائنا بعد أن نفقدهم.

بشّار…

نم هادئاً.

لقد تركت خلفك ما هو أثقل من الحزن؛ تركت سؤالاً كبيراً عن وطنٍ يفقد أبناءه في الوقت الذي يكون فيه أحوج ما يكون إليهم.

رحم الله بشّار محسن البريكي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.

خسارةُ شبوة برحيلك فادحة…

فأنت لم ترحل وحدك؛ رحل معك جزءٌ من مستقبلٍ كان يمكن أن يكون أجمل.