في خضم التطورات المتسارعة والمشاهد المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، تتكشف المراهنات الفاشلة لجماعة الحوثي بصورة أكثر جلاءً؛ حيث يبدو التصعيد الأخير ونقل ثقل العمليات الاستهدافية نحو اتجاهات شتى مجرد محاولات حثيثة للبحث عن ملاذات آمنة لخياراتهم السياسية والعسكرية المأزومة.
فقد كشفت استهدافات الجماعة المباشرة للبنية التحتية والمطارات والسفن السعودية عن رغبة جليّة في دفع الرياض نحو مواجهة صريحة وتصعيد مفتوح؛ وهو مسار جرى التخطيط له بعناية لخلط الأوراق وإعادة إنتاج الأزمة، إلا أنه اصطدم بحائط الرزانة السياسية واستراتيجية خفض التصعيد الاستباقية، ليجد الحوثيون أنفسهم أمام خيبة استراتيجية لم يكتب لها النجاح.
الارتداد نحو الداخل: مجزرة مأرب والهروب الميداني
أمام طريق مسدود على الجبهة الإقليمية، اتجهت البوصلة الحوثية شرقاً نحو محافظة مأرب، الجدار الصلب للدولة اليمنية والمقاومة الوطنية. ولم يكن هذا التحول الميداني سوى تعبير عن أزمة بدائل استراتيجية، تُوجت بارتكاب مجازر غادرة بحق جنود الجيش الوطني اليمني.
تُظهر هذه التحركات رغبة بائسة لدى قيادة الجماعة في ربط مسار الصراع المحلي اليمني بالملف الإيراني الإقليمي كاملاً، ظناً منها أن هذا "الالتصاق" سيوفر لها مظلة حماية سياسية وعسكرية تقيها تبعات عزلتها الوطنية والإقليمية. بيد أن هذا السلوك يُعد قراءة قاصرة ومشوبة بالجهل الجيوسياسي، إذ تراهن الجماعة على حليف بات هو ذاته يلهث بحثاً عن من يحميه ويضمن بقاءه.
"أم القرى" الزائفة: الأيديولوجيا كدرع لحماية المركز
لصناعة هذه الأدوات الوظيفية، لم تكتفِ طهران بالدعم المالي والعسكري المحدود، بل عمدت منذ انطلاق مشروعها إلى توظيف الخطاب الديني والعاطفي كأداة للسيطرة والتحفيز. رفع النظام الإيراني شعارات برّاقة مثل "تحرير القدس" و"وحدة ساحات محور المقاومة"، بهدف تفريخ ميليشيات على امتداد جغرافيا المنطقة، تكون بمثابة خنادق وسواتر حماية أمامية تُدافع عن أسوار طهران قبل أن تصل المعركة إلى داخلها.
وفي محاولة لإضفاء طابع من القداسة المطلقة على هذا المشروع الإمبراطوري، أطلقت أدبيات الثورة الإيرانية على الجغرافيا الإيرانية مصطلح "أم القرى"—وهو المفهوم القرآني الأصيل المحجوز حصراً لمكة المكرمة—لتكريس مركزية طهران وتبعية باقي الأطراف لها.
ظلت القيادة الإيرانية تستغل محبة آل البيت والرموز الدينية كأداة ضغط ناعمة، تضع أتباعها تحت وطأة الشعور الدائم بالتقصير من جهة، وتحين شحنهم وتوجيه أحقادهم ضد جوارهم العربي من جهة أخرى. ولكن، حين حانت لحظات الحقيقة وتعرّضت هذه الميليشيات لردود الأفعال المباشرة والقاسية، انكشفت حقيقة "سيف طهران" الذي زُعم أنه أُعد للنزال؛ فلم يكن من طهران سوى الشجب والتنديد والبيانات الإنشائية:
غزة ولبنان: حين أُبيدت غزة ونُسف الحاضن العسكري لحزب الله في لبنان—الذي كان يُفترض أنه درة التاج الإيراني—وقفت طهران موقف المتفرج، تبحث عن نجاح مفاوضاتها الخاصة وتحصين حدودها.
الداخل السوري: وحين تحررت دمشق وتهاوت المكتسبات الميدانية التي أُريقت فيها دماء آلاف الميليشيات، تخلّت طهران عنها ببساطة متناهية، مؤكدة أن أذناب المشروع ليسوا سوى أوراق يُضحى بها عند أول مساومة.
طهران: مظلة نخرة تحت ثقل الأزمات
إن إسقاط واقع "دولة الملالي" على المشهد الحوثي يكشف حجم الوهم المتجذر في العقل التخطيطي للجماعة. فالنظام الإيراني مكبل بأزمات وتناقضات هيكلية واقتصادية وسياسية لا تفتأ تتفاقم، بل تشير جملة من المعطيات إلى أنها لن تتوقف إلا بتهديد الوجود السياسي للنظام نفسه:
الانهيار الاقتصادي والدعم الصوري: على المستوى الاقتصادي والخدمي، لا تملك طهران ما تقدمه لحلفائها سوى شحنات الوقود الرديئة والدعم العسكري المحدود، بينما تعجز تماماً عن تقديم دعم تنموي أو اقتصادي يستوعب متطلبات المحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة. إنها سياسة "إدارة الفقر" وتوظيف الحاجة.
التخلي عن "درة التاج": يبرز العجز الإيراني بأوضح صوره في محدودية دعم "حزب الله" اللبناني، الذي طالما شَكّل درة التاج الإيراني والحليف الأكثر أهمية على الإطلاق في معادلة حماية العمق الاستراتيجي لإيران. فإذا كانت طهران قد عجزت عن توفير شريان الحياة الكافي والمستدام لحليفها الأول في المنطقة، فكيف لحركة محاصرة جغرافياً كجماعة الحوثي أن تطمع بمظلة حماية حقيقية؟
العزلة السياسية والاستباحة الجوية: تؤكد المؤشرات أن دولة الملالي تعيش حالة من العزلة السياسية الدولية الخانقة، ولا تجد مساراً للخروج منها إلا عبر خلق الأزمات الإقليمية والمناورة بها لفرض تسويات ومساومات. وعلى الصعيد العسكري، ورغم امتلاك طهران لقدرات صاروخية ومسيرات هجومية مؤثرة، إلا أن النكوص الدفاعي يبدو واضحاً مع استباحة الطيران الإسرائيلي والأمريكي للمجال الجوي الإيراني، وتحركه بكل سلاسة واقتدار، مما يسقط مقولة "الردع الشامل" التي بنيت عليها أدبيات (محور المقاومة).
ختاما: أوهام القوة وسقوط المراهنات
إن الارتهان لخيار ربط المصير اليمني بالورقة الإيرانية ليس مجرد خطأ تكتيكي، بل هو خطيئة استراتيجية أملتها عقول عاجزة عن قراءة واقع التحولات الدولية والمحلية. يجد الحوثيون أنفسهم اليوم محاصرين بين جدار الرفض الشعبي اليمني واليقظة العسكرية للجيش الوطني، وبين مظلة إيرانية متهالكة تتهاوى أجزاؤها تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية.
إن استمرار الجماعة في ارتكاب المجازر بحق أبناء الشعب اليمني في مأرب وغيرها لن يمنحها سوى أمد قصير من عمر الأزمة، قبل أن تسقط كل هذه المراهنات أمام حقيقة واحدة: لا يمكن لحليف متهاوٍ أن يحمي أداة مأزومة.