بقلم : صفوان سلطان
لم تكن الساعات الأولى من ذلك الفجر تشبه فجراً عادياً في مأرب وحضرموت. كانت السماء صامتة كعادتها، لا تحمل نذيراً، حتى انشقّت فجأة عن صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، لم تأتِ من عدو خارجي يتربص باليمن، بل أُطلقت بيد يمنية مضلَّلة، وبقرار إيراني خالص، لتسقط على معسكرات إخوتها في الوطن. في تلك اللحظة، لم يمت جنود فقط، بل ماتت معهم آخر الأوهام التي حاولت مليشيا الحوثي، طوال سنوات، أن تُلبسها لليمنيين عن “مقاومة” تدّعيها، وهي في الحقيقة لا تقاوم شيئاً سوى وجود الدولة ذاتها.
كل من سقط في تلك الثكنات كان له اسم، وأم تنتظره، وقرية تحفظ خطواته منذ الطفولة. ضباط وجنود من مأرب وحضرموت وتعز وإب والحديدة وغيرها من محافظات اليمن الأبية ، ارتدوا الزي العسكري ليس ليقاتلوا شبحاً، بل ليحرسوا فكرة اسمها الجمهورية، تلك الفكرة التي حاولت المليشيا اغتيالها منذ لحظة انقلابها الأولى. ومع ذلك، وقبل أن يبرد جسد الشهيد، كانت آلة الدعاية الحوثية قد بدأت طقسها المعتاد، ذلك الطقس الذي لا يعرف الحياء، حين تتحول الجريمة إلى “بطولة”، ويتحول الضحية اليمني إلى “مرتزق” أو “عميل” أو “تحشيد أجنبي”، وكأن الدم الذي سال في مأرب وحضرموت لم يكن يمنياً، وكأن الأمهات الثكالى هناك لسن جزءاً من هذا الشعب الذي تدّعي المليشيا أنها تدافع عنه.
هذه ليست أول مرة تُغيّر فيها المليشيا قناعها. فمن يتتبع مسيرتها منذ الانقلاب، يعرف أنها وصفت خصومها بـ”الدواعش” حيناً، وبـ”القاعدة” حيناً آخر، ثم بـ”الإصلاح”، ثم بـ”العفافيش”، ثم بـ”عملاء أمريكا وإسرائيل”، ثم بـ”مرتزقة السعودية”. أسماء تتبدل كما تتبدل الفصول، لكن الحقيقة المرة تبقى واحدة لا تتغير: القاتل يحمل سلاحاً إيرانياً، والضحية يمنية الهوية والدم والانتماء. وفي كل مرة تسقط فيها هذه الأقنعة، تتعرى الحقيقة أكثر، حقيقة أن هذه المليشيا لا تمتلك مشروعاً وطنياً تدافع عنه، بل تمتلك فقط قدرة مذهلة على تدوير الأكاذيب لتبرير قتل من تبقّى من أبناء اليمن الرافضين لسلطتها.
والمأساة الأعمق أن هذا العدوان لم يكن ردّ فعل غاضب كما تحاول المليشيا أن توهم العالم، بل كان مشهداً مُعدّاً بعناية باردة. فحجم الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة المستخدمة، وتزامن الضربات، ودقة استهدافها، كلها تفاصيل تكشف أن المليشيا لم تكن يوماً في موقع الدفاع، بل كانت طوال فترات التهدئة الأخيرة تستثمر الصمت لا في بناء الثقة، بل في تكديس الأسلحة، وإعادة ترتيب قدراتها العسكرية، تمهيداً للحظة التي تُؤمر فيها من طهران بالضغط على الزناد من جديد.
وخلف هذا المشهد الدامي في الجبهات، تختبئ مأساة أخرى صامتة، لا تقل قسوة. ففي مناطق سيطرة المليشيا، هناك موظف لم يستلم راتبه منذ أشهر طويلة، وأم تبحث عن دواء لطفلها المريض في مستشفى أفرغته الجباية من كل شيء إلا اسمه، وشاب فقد الأمل في مستقبل يُصادَر يومياً باسم “الجهاد” و”مقاومة العدوان”. هذا هو الوجه الحقيقي الذي تخفيه المليشيا خلف دخان صواريخها، فشل إداري متراكم، ونهب منظم لموارد بلد أنهكته الحرب، وثروات هائلة تكدّست في جيوب قادة اختاروا الثراء بينما يُترك شعبهم للجوع والمرض. ومتى ما اقترب هذا الغضب الشعبي من نقطة الانفجار، فتحت المليشيا جبهة قتال جديدة، لا لتحرر أرضاً، بل لتهرب من محاسبة شعب بدأ يكتشف حجم الخديعة.
في هذه المأساة المتصلة الفصول، لا يبدو الحوثي طرفاً مستقلاً يقرر مصيره، بل يبدو أداة تتحرك بخيوط لا تُرى، خيوط تمتد من صنعاء إلى طهران، وتتحكم في توقيت كل صاروخ، وفي توقيت كل هدنة، وفي توقيت كل حرب جديدة، بما يخدم أجندة إقليمية لا علاقة لها باليمن أو مصلحة أبنائه، بل بمشروع توسعي يستخدم الأرض اليمنية ساحة استنزاف، والبحر الأحمر وباب المندب ورقة ضغط على العالم.
ومع كل هذا الألم، تبقى في قلب هذه التراجيديا شعلة لا تنطفئ. فالقوات المسلحة اليمنية والمقاومة الشعبية، التي عرفت الفقد مراراً، لم تتراجع يوماً، ولن تتراجع اليوم أمام صاروخ عابر أو طائرة مسيّرة. فكل شهيد يسقط في هذه المعركة يترك خلفه عزيمة أكبر، ووعداً أن دمه لن يُنسى، وأن الطريق نحو استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب لن يُختصر بجريمة، مهما بلغت قسوتها. فالتراجيديا التي كتبتها المليشيا في مأرب وحضرموت، ستُقرأ يوماً كفصل أخير من فصول الوهم الحوثي، حين تسقط الأقنعة كلها، ويقف اليمنيون أمام الحقيقة عارية، حقيقة أن من قتلهم لم يكن يدافع عنهم يوماً، بل كان يخدم من سلّحه ووجّهه، بينما ظل الوطن هو الخاسر الأكبر في كل هذه الحرب.