آخر تحديث :الخميس-10 سبتمبر 2026-01:30م

اليمن أمام لحظة الحقيقة .. معركة القرار قبل معركة الميدان

الجمعة - 07 أغسطس 2026 - الساعة 09:06 م
محمد خالد الحسيني


لم يعد السؤال اليوم هو من أطلق الصاروخ، أو كم بلغ عدد الضحايا، أو أين سقطت الضربة، بل السؤال الحقيقي هو: ماذا يعني كل ذلك؟ وما الذي تقوله الأحداث مجتمعة عن الاتجاه الذي تسير إليه الأزمة اليمنية والإقليم بأسره؟

فالتاريخ يعلمنا أن الحروب لا تبدأ دائماً ببيانات رسمية تعلن قيامها، بل تبدأ عندما تتغير قواعد الاشتباك، وتنهار التفاهمات غير المعلنة، ويصبح التصعيد هو اللغة الوحيدة القادرة على إيصال الرسائل السياسية، وهذا تحديداً ما يبدو أنه يحدث اليوم في اليمن.

فالضربات التي استهدفت معسكرات في مأرب وحضرموت، بالتزامن مع إعلان جماعة الحوثي توسيع نطاق عملياتها البحرية وتهديدها بتوسيع الحصار البحري شمال البحر الأحمر، لا تبدو مجرد عمليات عسكرية معزولة، بل تعكس محاولة لإعادة رسم ميزان الردع وفرض معادلات جديدة على جميع الأطراف.

وحتى مع اختلاف الروايات بشأن تفاصيل هذه الهجمات وحجم خسائرها، فإن دلالتها السياسية تبدو أكثر أهمية من نتائجها العسكرية المباشرة.

وفي المقابل، لا تبدو السعودية في موقع الطرف الراغب في العودة إلى حرب شاملة، لكنها أيضاً لا تستطيع تجاهل واقع جديد تتزايد فيه الضغوط الأمنية على حدودها ومصالحها الاقتصادية وممراتها البحرية.

فالرياض التي راهنت خلال السنوات الأخيرة على خفض التصعيد من أجل التفرغ لأولوياتها الاقتصادية ومشاريعها التنموية، تجد نفسها اليوم أمام اختبار صعب؛ إذ إن تجاهل التصعيد يحمل كلفة، كما أن العودة إلى الحرب المفتوحة تحمل كلفة أكبر.

لكن ما يلفت الانتباه أكثر من أي شيء آخر، هو الغياب النسبي للموقف السياسي اليمني الرسمي.

فإذا كانت المؤشرات توحي بأن قواعد الاشتباك تتغير، وأن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من الاستقطاب، فمن الطبيعي أن يتساءل اليمنيون: أين تقف الدولة؟ وهل تمتلك القيادة السياسية تصوراً واضحاً لما يجري، أم أنها ما تزال تتعامل مع الأحداث بمنطق رد الفعل، بينما تتحرك بقية الأطراف وفق استراتيجيات بعيدة المدى؟

لقد أثبتت السنوات الماضية أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس فقط الحرب، وإنما غياب القرار الوطني الموحد.

فعندما يغيب المشروع الوطني الجامع، تتحول الجغرافيا إلى ساحة تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين، ويصبح الداخل انعكاساً لصراعات الإقليم أكثر مما يكون معبراً عن أولوياته الوطنية.

ومن هنا، فإن قراءة ما يجري في اليمن لا تكتمل من دون النظر إلى المشهد الإقليمي الأوسع، فالمواجهة الأمريكية الإيرانية الأخيرة، والتي أظهرت استطلاعات الرأي داخل الولايات المتحدة تراجع التأييد الشعبي لها، تعكس حقيقة أن واشنطن ليست في مزاج يسمح بفتح جبهات جديدة، خصوصاً مع استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع أسعار الطاقة.

وفي الوقت نفسه، تستمر الوساطة العُمانية لمحاولة تثبيت الاستقرار في مضيق هرمز، بينما تتزايد المخاوف من انتقال الضغوط إلى البحر الأحمر، الأمر الذي يجعل أمن الملاحة والطاقة جزءاً أساسياً من أي معادلة سياسية أو عسكرية في المنطقة.

وفي هذا السياق، لا تبدو زيارة رئيس الوزراء الباكستاني وقائد الجيش إلى السعودية مجرد محطة بروتوكولية في العلاقات الثنائية، بل تأتي في توقيت يفرض عليها أبعاداً أمنية واستراتيجية، خصوصاً مع احتدام التطورات في اليمن.

فمثل هذه التحركات تعكس أن الملف اليمني عاد ليحتل موقعاً متقدماً في الحسابات الإقليمية، وأن العواصم المعنية بدأت تراجع خياراتها في ضوء المتغيرات الجديدة.

غير أن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على مواقف الخارج، بل على قدرة اليمنيين أنفسهم على استعادة زمام المبادرة.

فكلما امتلكت الدولة قرارها السيادي، تراجعت تلقائياً مساحة التدخلات الخارجية، أما حين يظل القرار موزعاً بين عواصم الإقليم، فإن اليمن لن يكون سوى ساحة تتغير فيها موازين القوى دون أن يكون طرفاً فاعلاً في صناعتها.

واليوم تبدو الفرصة قائمة، ليس لأن الحرب تقترب، بل لأن التحولات الإقليمية تفرض إعادة التفكير في شكل الدولة اليمنية ودورها.

فإما أن تنجح القيادة اليمنية في استثمار هذه اللحظة لإعادة بناء المؤسسات، وتوحيد القرار السياسي والعسكري، وصياغة مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار للدولة، وإما أن تستمر في إدارة الأزمة بردود أفعال متفرقة، تاركة مستقبل اليمن رهينة لحسابات الآخرين.

إن أخطر ما في المشهد الحالي ليس احتمال اندلاع حرب جديدة، بل أن يدخل اليمن هذه المرحلة وهو ما يزال منقسماً في رؤيته وقراره وأولوياته.

فالحروب، مهما بلغت قسوتها، تنتهي في النهاية إلى طاولة سياسية، لكن الدول التي تفقد قرارها الوطني قد تحتاج سنوات طويلة لاستعادته.

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام القيادة اليمنية اليوم ليس فقط كيفية التعامل مع التصعيد العسكري، بل كيفية تحويل هذا الظرف الإقليمي المضطرب إلى فرصة لاستعادة الدولة، وبناء قرار سيادي مستقل، وإثبات أن اليمن قادر على أن يكون صانعاً لمستقبله، لا مجرد ساحة تتصارع فوقها إرادات الآخرين.

محمد خالد الحسيني