تكتسب القمة الثلاثية السعودية التركية الباكستانية أهميتها الاستثنائية من مكان انعقادها، ومن الاسم الذي تحمله الاتفاقية التي خرجت بها؛ فمكة المكرمة ليست مجرد مدينة تستضيف لقاءً سياسيًا، وإنما هي القبلة التي تتجه إليها قلوب أكثر من ملياري مسلم، ومهوى أفئدة المسلمين، ومهبط الوحي وأرض آخر الرسالات السماوية.
ومن هنا، فإن اختيار مكة مكانًا لإبرام اتفاقية دفاعية بهذا المستوى لا يخلو من دلالة تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، لتلامس وجدان الأمة وذاكرتها ومفهوم أمنها الجماعي.
والاتفاقية التي وقعتها المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان اليوم، الجمعة، تعتبر الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعًا، كما تنقل العلاقات بين هذه الدول من مستوى التعاون والتنسيق إلى مساحة أكثر وضوحًا في مفهوم الردع والدفاع المشترك.
وليس خافيًا أن المملكة العربية السعودية، بحكم موقعها الجغرافي ومكانتها الدينية وثقلها السياسي والاقتصادي، تمثل إحدى أهم ركائز العالمين العربي والإسلامي، وقد عُرف عنها على امتداد عقود توظيف إمكاناتها السياسية والاقتصادية والعسكرية في حماية أمنها، والدفاع عن مصالحها ومصالح محيطها العربي والإسلامي.
ولذلك تبدو الاتفاقية، في أحد أبعادها، محاولة لتحصين المملكة من الاختراقات والتهديدات الموجهة إليها، وبناء مظلة ردع أكثر اتساعًا في مواجهة التحديات الآنية والاستراتيجية التي تحيط بالمنطقة.
غير أن قراءة الاتفاقية من زاوية المملكة وحدها قد تُفقدها جزءًا كبيرًا من معناها.
فحين ننظر إلى أطرافها الثلاثة نجد أن الرياض تمثل الثقل الاقتصادي والجغرافي والروحي، فيما تمثل تركيا واحدة من أبرز القوى العسكرية والصناعية والتكنولوجية في العالم الإسلامي، بينما تمتلك باكستان قوة عسكرية كبيرة وقدرات استراتيجية تجعل حضورها في أي ترتيبات أمنية إقليمية ذا وزن خاص.
وهنا تبرز الصورة الأوسع: المملكة قلب المعادلة، وتركيا وباكستان جناحاها.
وإذا كان القلب يمنح الجسد الحياة، فإن الجناحين يمنحانه القدرة على الحركة والتحليق.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو اتفاقية مكة مجرد اتفاقية دفاعية بين ثلاث دول، بقدر ما يمكن أن تكون نواة لتشكيل معادلة أمنية جديدة تمتد آثارها إلى العالمين العربي والإسلامي، خصوصًا في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وتراجع اليقين بشأن قدرة الترتيبات الأمنية التقليدية على الاستمرار بالصورة التي عُرفت بها خلال العقود الماضية.
ولعل الأهم في هذه الاتفاقية أنها تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها ملفات الأمن الخليجي، والصراع في المنطقة، وأمن الممرات البحرية، والتوترات العسكرية، ومستقبل العلاقة بين القوى الإقليمية والدولية.
وبالتالي فإن الرسالة التي تحملها مكة اليوم ليست عسكرية فقط، وإنما سياسية أيضًا: أن أمن المنطقة لم يعد شأنًا يمكن أن يظل معلقًا بالكامل على إرادات خارجية، وأن الدول الإسلامية الكبرى قادرة على بناء مساحات من التنسيق الاستراتيجي فيما بينها.
ولا ينبغي كذلك إغفال البعد الاقتصادي والتقني؛ فالقوة العسكرية الحديثة لم تعد طائرات وصواريخ وجيوشًا فحسب، وإنما أصبحت منظومة متكاملة تشمل الصناعات الدفاعية، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والاستخبارات، وسلاسل الإمداد، والقدرة على تمويل واستدامة منظومة الردع.
وهنا تتكامل عناصر الدول الثلاث بصورة لافتة؛ فالسعودية تمتلك الثقل المالي والاقتصادي والموقع الاستراتيجي، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية ودفاعية متقدمة وخبرة عسكرية واسعة، بينما تمتلك باكستان خبرة عسكرية وقدرات استراتيجية تجعلها شريكًا ذا قيمة في أي منظومة دفاعية طويلة المدى.
لكن السؤال الأكبر سيظل متعلقًا بمستقبل هذه الاتفاقية: هل ستبقى ثلاثية، أم أنها مرشحة لأن تتحول إلى نواة لتحالف أوسع؟
وهنا تحديدًا يحضر اسم مصر.
فانضمام مصر إلى هذه المنظومة، إذا ما حدث مستقبلًا، سيمنحها بعدًا مختلفًا تمامًا؛ فمصر ليست مجرد قوة عسكرية وازنة، وإنما هي ثقل عربي وتاريخي وجغرافي، وتملك موقعًا استراتيجيًا يربط بين قارتي آسيا وأفريقيا، ويتصل بأهم الممرات البحرية في العالم.
وعندها قد لا نكون أمام ثلاثة أضلاع فقط، وإنما أمام منظومة تجمع قلبًا عربيًا وإسلاميًا، وجناحين آسيويين، ورأسًا عربيًا تاريخيًا؛ بما يجعل المعادلة أكثر اتساعًا وقدرة على التأثير في مستقبل الأمن الإقليمي.
ولذلك فإن أهمية اتفاقية مكة لا تكمن فقط في نصوصها العسكرية، وإنما في ما قد تفتحه من أبواب سياسية واستراتيجية أمام مرحلة جديدة من العلاقات بين القوى الإسلامية الكبرى.
فمكة التي كانت على مدى قرون مركزًا روحيًا للأمة، قد تتحول اتفاقية اليوم إلى عنوان جديد لمفهوم آخر: أن الأمن أيضًا يحتاج إلى مركز، وأن القوة حين تتوزع بين أطرافها القادرة على التكامل، تصبح أكثر قدرة على صناعة الردع وحماية المصالح.
غير أن نجاح هذه الاتفاقية لن يقاس بضخامة التوقيع ولا بمشهد القمة، وإنما بما ستنتجه على الأرض من تنسيق حقيقي، وتكامل في القدرات، وتبادل للمعلومات والخبرات، وصناعة دفاعية مشتركة، ومواقف سياسية متقاربة، وقدرة على تحويل القوة المتفرقة إلى قوة جماعية منضبطة.
فالاتفاقيات تصنع الإطار، لكن الإرادة السياسية هي التي تمنح الإطار الحياة.
وإذا نجحت الدول الثلاث في الانتقال من مرحلة الاتفاق إلى مرحلة التكامل، فقد يكون ما جرى في مكة اليوم بداية لمسار جديد في الأمن الإقليمي؛ مسار لا يقوم على استدعاء القوة من خارج المنطقة بقدر ما يقوم على إعادة ترتيب عناصر القوة الموجودة داخلها.
وهنا تكمن دلالة مكة الجديدة:
أن المكان الذي وحّد القلوب حول قبلة واحدة، قد يكون شاهدًا على محاولة جديدة لتوحيد القوة حول رؤية واحدة للأمن والردع والدفاع المشترك.