يا أخي المحتجب خلف غمام الفخر والخلود، يا من غادرتنا في ذلك العام المثقل بالوجع والبارود، ما زال صوتك يطرق جدران بيتنا العتيق، وينساب مع نسيم الوطن كأنه لحن سرمدي لا يموت. إن غيابك المادي لم يكن إلا ولادة جديدة لذكرى لا تموت، وعبيراً عابراً فوق جراح الغياب، لتظل الأرواح الطاهرة قناديل تضيء دروب الأجيال، وتشهد على أن عدن لا تنحني أبدًا. هذه التوليفة الشعرية التي تمزج بين قصر العمر المادي وأبدية الموقف، وجدت تجسيدها الحي في الملحمة الإنسانية والوطنية التي عاشتها مدينة عدن إبان الحرب، وتحديداً في جبهات عام 2015. حيث تحولت الكلمات من مجرد مجاز شعري إلى واقع ملموس سطرته الدماء الطاهرة التي عبرت من نورٍ إلى نور وهي تواجه عواصف الفناء في جحيم المعارك. ففي كريتر، والتواهي، وخورمكسر، والمنصورة، ودار سعد، والشيخ عثمان، تحولت التضحيات إلى تجسيد حي لتلك السيرة الخالدة، وكان واضحاً أن أيام الأبطال في خطوط النار وسطور الإيثار خاطفة وقليلة، لكنهم جعلوا من تلك الدقائق الأخيرة بسمات طويلة وتاريخاً يُكتب بمداد من كبرياء، فوقفوا في وجه الموت بقلوب ممتلئة بالضوء، مؤمنين بأن نور الله في صدورهم أسطع من قذائف الغدر، ومضوا مع الشمس لتشرق مدينتهم من جديد بحريتها.
لقد تلاحمت في هذه الملحمة كل أطياف المدينة؛ من القادة العظام كالشهيد اللواء علي ناصر هادي، "شيخ الشهداء" الذي وهب روحه في جبهة التواهي لتبقى المدينة عزيزة، إلى أصغر فتى في المقاومة الشعبية وأولئك الطلاب الذين تركوا مقاعد الدراسة ليمسكوا بنادق الذود عن العِرض والأرض، وصولاً إلى تلك القلوب الرحيمة التي جسدت النضال الإنساني في أبهى صوره كالشهيدة خلود التيس، أيقونة الرحمة وابنة الشيخ عثمان البارة، التي فتحت بيتها للنازحين وأصبحت أماً وسنداً للمئات، حتى ارتقت شهيدة في المنصورة وهي تبحث عن كفن لامرأة متوفاة، تاركةً خلفها ثلاثة أطفال وسيرة تُعطر فضاء المدينة.
لقد داس هؤلاء الأبطال والبطلات على الموت بابتسامة صامدة ليثبتوا للعالم أن الجسد وإن غاب، فإن السيرة البطولية والنور الذي شعّ من تضحياتهم جعلهم أحياء في تفاصيل المدينة، في الشوارع التي طهروا ترابها، وفي نسمات البحر التي تحمل أرواحهم الحرة.
سلامٌ على الثرى الذي ارتوى بفيض دمائكم الزكية، وسلامٌ على عدن التي نفضت غبار الانكسار لتلبس ثوب العزة المطرز بأسمائكم الخالدة. حين ارتقيتم إلى السماء لم تودعوا أرضاً، بل غزلتم بدمائكم ثوب الحرية، فكان دمكم الطاهر أسرع إلى الثرى من غيث المطر، لينبت في حقولنا سنابل من الكبرياء والكرامة. ولأن الإرث العظيم لا يموت، فقد تلاقت تضحيتكم مع صدى قيثارة الموسيقار الراحل أحمد بن أحمد قاسم، ذلك الصوت الذي عبر العقود ليدمل جراحنا، حاملاً النبوءة الخالدة بأن الدم المسكوب في سبيل الأرض هو الشرف الأعظم والخلود الأسمى، فصار غيابكم عرساً وطنياً مهيباً تعزفه أوتار الذاكرة، وتتردد أصداؤه في ساحات النضال لتخبرنا بأنكم لم ترحلوا، بل استبدلتم ثيابكم الطينية بأجنحة من نور ترشد الحيارى في ليل الوطن الطويل.
إن الألحان الوطنية التي صاغها الأجداد بالدموع والنغم ما زالت قادرة على زف الشهداء إلى جنان الخلد، حيث الكلمة الأخيرة تبقى دائماً للأرض، للمجد، ولأرواحكم التي ستبقى حية في وجداننا إلى الأبد. رحم الله شهداء عدن الأبرار، وأسكنهم فسيح جناته.