آخر تحديث :الجمعة-07 أغسطس 2026-04:27ص

ضوابط النشر العسكري بين المسؤولية الوطنية وفوضى الصفحات الإلكترونية

الجمعة - 07 أغسطس 2026 - الساعة 02:49 ص
ناصر العامري


في الحروب لا تقتصر المعركة على خطوط المواجهة بل تمتد إلى الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي حيث قد تتحول صورة أو مقطع فيديو أو معلومة تبدو عادية إلى مصدر استخباراتي مجاني يستفيد منه العدو في تحليل المواقف وتحديد الأهداف ورسم خططه العسكرية ولهذا فإن ضوابط النشر العسكري ليست قيودا على حرية التعبير بل هي جزء أصيل من منظومة الأمن الوطني وحماية أرواح المقاتلين


ومن المؤسف أن التحذيرات المتكررة من مخاطر النشر العشوائي لم تجد حتى اليوم القدر الكافي من الالتزام إذ لا تزال بعض الصفحات تتسابق إلى نشر كل ما يتعلق بالأحداث العسكرية دون مراعاة لحجم الضرر الذي قد يترتب على ذلك فالعدو يتابع كل ما ينشر ويجمع المعلومات المتناثرة ويحلل الصور والمقاطع ويستفيد من أدق التفاصيل التي قد يغفل عنها الناشر


وما شهدته منطقة العبر مؤخرا كان مؤلما بكل المقاييس نسأل الله الرحمة للشهداء والشفاء العاجل للجرحى لكن المؤلم أيضا أن كثيرا من تفاصيل الحادثة جرى توثيقها ونشرها على نطاق واسع بما في ذلك صور ومقاطع ومعلومات ميدانية الأمر الذي وفر مادة مجانية للعدو يستغلها في دعايته وتحليلاته وحملاته الإعلامية وهو ما كان يمكن تجنبه لو التزم الجميع بضوابط النشر العسكري


ولا يقل خطورة عن ذلك انتشار صفحات اعتادت تناول شؤون القيادات العسكرية ونشر تحركاتها وأسماءها ومواقعها بل وأحيانا تداول معلومات ميدانية وإحداثيات لا يجوز نشرها بأي حال من الأحوال مثل هذه الممارسات لا يمكن اعتبارها عملا إعلاميا مسؤولا لأنها تعرض حياة العسكريين للخطر وتمس الأمن العسكري بصورة مباشرة وتمنح الخصوم معلومات قد يستحيل الحصول عليها بوسائل أخرى


إن استمرار هذه الصفحات في العمل دون مساءلة يعكس حالة من التراخي في تطبيق الأنظمة والتعليمات المنظمة للنشر العسكري وهو أمر يتطلب تدخلا عاجلا من الجهات المختصة فحماية الأمن العسكري مسؤولية مشتركة لكنها تبدأ بتطبيق القانون على كل من يتعمد أو يتسبب في نشر معلومات أو صور أو تفاصيل تضر بالمصلحة العسكرية سواء كان ذلك بقصد أو نتيجة غياب الوعي


ومن هنا فإن وزارة الدفاع والجهات الأمنية المختصة مطالبة بتفعيل ضوابط النشر العسكري بصورة أكثر حزما وإيقاف الصفحات التي تجاوزت دورها الإعلامي إلى نشر معلومات تخص القيادات العسكرية أو التحركات الميدانية أو أي بيانات تمثل قيمة استخباراتية للعدو مع اتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحق القائمين عليها حماية للأرواح وصونا للأمن الوطني


إن الإعلام الوطني الحقيقي لا يقاس بسرعة نشر الخبر بل بمدى التزامه بالمسؤولية الوطنية