يبعث وجودُ هذه الفئة في القلب شيئًا من الاطمئنان على حاضر الدين ومستقبله؛ فمهما اختلفت وجهات النظر حول حضورها في واقع الأمة ومستقبلها، فإنها تظل، في نظر كثيرين، ذات أهمية بالغة في صون الموروث الروحي للأمة والحفاظ على امتداده، بعيدًا عن الاختلالات الطارئة التي أصابت جوانب من حياتنا وسلوكياتنا الدينية.
ولا ينبغي أن يكون الاختلاف معها مدخلًا إلى إلصاق تهم التشدد بها جزافًا؛ فبين أفرادها من جعلوا التمسك بالكتاب والسنة، وطاعة ولي الأمر، والاقتداء بتراث السلف الصالح من علماء الأمة، منهجًا في حياتهم، وهو ما يجعل الرهان على وعيهم وعلمهم وأمانتهم كبيرًا في حمل الرسالة، وتبليغها بالحكمة والبصيرة.
إنهم، في صورتهم التي نرجوها، قلاعٌ لحماية القيم، وحملةٌ لتبليغ الكلمة بالحجة والبيان، وسياجٌ يحفظ للموروث الديني مكانته، بالعلم لا بالغلو، وبالحكمة لا بالاندفاع، وبمنطق العلماء وبيان الفقهاء ونور الحكماء.
وحين تستدعي الغيرة على الدين والوطن موقفًا شجاعًا، فإن الشجاعة الحقيقية لا تكون في إهدار الأرواح، وإنما في حماية الإنسان، وصيانة البلاد، والدفاع عن الحق بما لا يفتح أبواب الفتنة والفوضى.
فلا يجوز أن يتحول هؤلاء إلى مجرد أرقام تُحصى، أو أسماء تُطوى صفحاتها في صمت؛ فلكل واحد منهم قصة، وأسرة، وذكريات، وآمال، وحياة كان يمكن أن تمتد بعيدًا عن لحظة الموت.
وكم يحز في القلب أن تذهب في ليلة واحدة أرواحُ قرابة خمسين من هؤلاء الاسود الكواسر، في ضربة واحدة، وكأن حياة الإنسان أصبحت رقمًا عاديا في نشرات الأخبار.
إن فاجعة كهذه لا ينبغي أن تمر كخبرٍ عاجلٍ؛ فهي جرحٌ في جسد المجتمع، ورسالةٌ قاسية تستوجب الوقوف عند أسبابها، ومراجعة ما أوصلنا إلى هذه اللحظة، والعمل على ألا تتكرر.
إننا حين نفقد أبناءنا، أيًّا كانت مواقعهم أو اختلافاتنا معهم، فإننا لا نخسر أشخاصًا فحسب، بل نخسر جزءًا من مستقبلنا، ونترك خلف كل روحٍ راحلة بيتًا ينتظر، وأمًّا موجوعة، وأبًا مكسورًا، وأطفالًا سيكبرون وهم يسألون: لماذا رحلوا؟
لهذا، فإن صون الأرواح ليس ترفًا، وحماية المجتمع من دوامة العنف ليست موقفًا قابلًا للتأجيل؛ بل هي مسؤولية دينية وأخلاقية ووطنية.
فلا تقتلوا الأسود... ولا تجعلوا من شباب الأمة وقودًا لصراعاتٍ لا تنتهي.