آخر تحديث :الأربعاء-05 أغسطس 2026-11:52م

في وطني فقط... قلة الحياء طريق إلى المسؤولية

الأربعاء - 05 أغسطس 2026 - الساعة 09:58 م
حسين سالم السليماني


نعم، إنها قلة الحياء.


فبالله عليكم، كيف أكون مسؤولاً وأنا أشاهد طوابير المواطنين تمتد أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، وكذا المياه التي تتطلب الحصول عليها رحلات شاقة يحملها الأطفال إلا بشق الأنفس، والكهرباء غائبة عن منازل من أتحدث باسم خدمتهم؟ كيف أقبل بمنصب، ورواتب الموظفين متوقفة، ومعاناة الناس تتفاقم يومًا بعد يوم؟ ولم أعمل على إيجاد حلول طوال فترة انهيار العملة، وهي مدة كافية لبناء دول من الصفر!


للأسف الشديد، أصبحت هذه المشاهد واقعاً مُسلّماً به، حتى كأنها جزء من الحياة اليومية لا تثير الدهشة ولا تستدعي المساءلة. وهنا يبرز السؤال المؤلم: أين الحياء؟


نعم، إنها قلة الحياء. ألا ترون مظاهر الترف والبذخ التي تحيط ببعض المسؤولين؟ ربطات عنق بألوان وأشكال مختلفة، ومواكب ومظاهر فخمة، في الوقت الذي يئن فيه المواطن تحت وطأة الفقر والحرمان وحرارة الصيف القاسية. لقد تحولت المسؤولية لدى البعض من تكليف ثقيل إلى امتياز شخصي، ومن خدمة عامة إلى وسيلة للوجاهة والاستعراض.


بل إن قلة الحياء أصبحت، في بعض الأحيان، تاجاً يُوضع على الرؤوس، والدليل تلك القصور والسيارات الفارهة والأموال والرحلات السياحية، والمميزات التي يحصل عليها الأبناء في دراساتهم وأوضاعهم الوظيفية.


ألا يدل هذا، دون نزاع، على أنهم يتمتعون بقلة الحياء، أو أن الحياء قد تركهم، وأصبحت المسؤولية لديهم كأنها غنائم؟ وهنا أخاطب أصحاب القرار وأقول: لو كان لديكم قدر من الحياء اليوم أمام الله وأمام الشعب، لقدّمتم استقالاتكم عندما عجزتم عن أداء واجباتكم، بدلاً من التشبث بمواقع لا تجلب لكم سوى غضب الناس ودعوات المظلومين.


لماذا يصر هؤلاء على البقاء في مواقعهم رغم فشلهم الواضح في معالجة أبسط احتياجات المواطنين؟


لقد ابتُلينا بقيادات جعلت المنصب غاية لا وسيلة، واعتبرت البقاء في السلطة إنجازاً، حتى وإن كان الثمن معاناة الملايين.


لقد غابت عن بعض قياداتنا النزاهة والقدرة على خدمة الناس، وهو ما جعل المعايير تختل وتضيع منا البوصلة؛ ولهذا انقلب المشهد رأساً على عقب، حيث يُكافأ المتسلق أكثر من المجتهد، وتتحول الجرأة على الخطأ إلى وسيلة للترقي بدلاً من أن تكون سبباً للمحاسبة.


إن عبارة "في وطني فقط... قلة الحياء طريق للمسؤولية" قد تبدو قاسية، لكنها تعكس شعوراً متنامياً لدى كثير من المواطنين الذين يرون أن بعض المناصب لم تعد تُمنح لأصحاب الكفاءة، بل أصبحت تُنال أحياناً بغير استحقاق. وأخطر ما في هذه الظاهرة ليس وصول غير المؤهلين إلى مواقع المسؤولية فحسب، بل الرسالة التي تُبعث إلى المجتمع بأكمله. فعندما يرى المواطن أن النجاح لا يحتاج إلى علم أو اجتهاد أو إخلاص، بل إلى جرأة على تجاوز المبادئ، فإن منظومة القيم تبدأ بالتآكل، وتضعف الثقة بالمؤسسات، ويتحول الإحباط إلى حالة عامة يعيشها الجميع.


ولا يعني ذلك أن جميع المسؤولين يفتقرون إلى الكفاءة أو النزاهة، فهناك نماذج مشرفة تعمل بصمت وإخلاص، وتؤمن بأن المسؤولية تكليف لا تشريف. غير أن وجود هذه النماذج لا يعفي من ضرورة مواجهة الخلل، وإعادة الاعتبار لمبدأ الاستحقاق بوصفه أساساً لأي نهضة حقيقية، وإلا دخلنا في منظومة قليلي الحياء.


إن الأوطان لا تُبنى بالشعارات الرنانة، ولا تزدهر بكثرة الصور والظهور الإعلامي، وإنما تنهض عندما يكون الحياء رفيق المسؤول، وعندما يشعر بالخجل من معاناة شعبه قبل أن يفكر في مظهره أو مكانته. والمسؤول الذي يعجز عن النوم هو الذي يعيش حياة المواطن يفتقد الكهرباء والماء والدواء والراتب، هنا وجب علينا رفع القبعة له.


لكن ألا يرى هؤلاء الطوابير الطويلة، وهذه المطالب اليومية المتكررة، دليلاً على مجتمع يواجه أزمات متلاحقة من كل اتجاه؟ أليس من المؤلم أن يخرج بعض المسؤولين في قاعات فاخرة، تتزين طاولاتها بالورود والمشروبات الفاخرة ووسائل الراحة، بينما يقف المواطن ساعات طويلة بحثاً عن أبسط مقومات الحياة؟


إن هذه المفارقة الصارخة لا تعكس فقط فجوة بين الحاكم والمحكوم، بل تكشف أيضاً حجم الغياب الأخلاقي لدى من اعتادوا رؤية معاناة الناس دون أن يهتز لهم ضمير أو يوقظهم حياء...