حين تغني فيروز "إسوارة العروس" لا يبقى الصوت حبيس لحن، بل يخرج كصرخة أرض تخرج من مخاض الوفاء. في حنجرتها يتحول الذهب إلى تراب، ويصبح التراب نفسه هو الحلي الأغلى الذي تتزين به جغرافيا الكرامة. صوت ينساب كشلالات صيدا، ويتأصل كأرز لبنان ، فيعبر الحدود بلا جواز، ويسقط في بقعة غائرة من الوجدان حيث يلتقي جنوب بجنوب.
ثمة قرابة سرية لا ترسمها الخرائط، بل يكتبها نبض الأرض المشترك. جنوب لبنان بملامحه السمراء وعنفوانه يشبه جنوب اليمن في إبائه، وكأن التلال والأودية في الجهتين تحفظ الحكاية ذاتها: حكاية صمود في وجه الطغيان. هناك في جبل عامل تلتقي أشجار الزيتون والتبغ، وهناك في عدن وحضرموت ترتفع النخلة ويعبق اللبان، فيلتئم من كليهما سور من الكبرياء يحيط بمعصم الأمة.
وحين تذكر فيروز العروس وأسورتها الغالية، تغزل بخيط حريري جراح النبطية بأوجاع أبين ، وتجعل من تراب الجنوبين تبراً مقدساً لا يباع ولا يشترى، بل يسيّج بمهج الأحرار. فيصبح الجنوب اللبناني والجنوب اليمني وجهين لعملة وجودية واحدة، عنوانها الفداء وعقدها مرصع بالحرية.
من صخور قلعة شقيف الشامخة وهدير الليطاني، تهاجر الأصداء لتعانق كبرياء جبل شمسان المطل على ساحل ابين . ومن حكايات بحارة صور الذين صاغوا الأرجوان قديماً، يمتد العطر ليلتقي بعبق القوافل القادمة من قتبان وأوسان. هناك في دروب المهرة وسحر سقطرى يتجدد العهد مع أرض لا تنكسر.
وفي الختام لا تكتمل الترنيمة إلا بما ختمت به فيروز:
إسوارة العروس مشغولِة بالدهبْ
وإنتْ مشغول بقلوبْ يا تراب الجنوبْ
رسايِل الغِيَّاب مكتوبِة بالسهر
وإنت بالعزّ مكتوب يا تراب الجنوبْ
وبتولع حروب .. وبتنطفي حروبْ
وبتضَلّك حبيبي يا تراب الجنوب