في السياسة، لا تُقاس مواقف الدول بما تقوله المنابر، ولا بما تثيره التأويلات من سيول الكلام، وإنما بما تتركه في حياة الناس من أثر، وما تضعه على طريق المستقبل من جسور. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو دولة الإمارات العربية المتحدة حاضرةً في الذاكرة اليمنية بوصفها دولةً خليجيةً شقيقة، لم تكتفِ بمتابعة المشهد اليمني من بعيد، بل حضرت في أكثر مراحله تعقيدًا، وانخرطت في مواجهة الانقلاب الحوثي، وقدّمت إلى جانب أشقائها في التحالف العربي دعمًا عسكريًا وإنسانيًا وتنمويًا، في لحظةٍ كان فيها اليمن يواجه خطر الانهيار الكامل.
ومهما اختلفت القراءات السياسية لبعض مواقف أبوظبي، وتباينت التقديرات حول بعض تفاصيل حضورها في الأزمة اليمنية، فإن الإنصاف يقتضي الفصل بين النقاش السياسي حول المواقف وبين الوقائع التي تركتها المشاريع على الأرض. فهناك فارق كبير بين دولة تُقرأ سياستها من خلال التصريحات، ودولة يمكن أن تُقرأ أيضًا من خلال مدرسةٍ أُعيد بناؤها، ومستشفىٍ استعاد دوره، وقريةٍ وصل إليها الماء، ومدينةٍ أضاءتها الشمس.
وفي شبوة على وجه الخصوص، تبدو الحكاية أكثر وضوحًا؛ إذ لا تزال بصمات الدعم الإماراتي حاضرةً في قطاعات حيوية تمس حياة الناس مباشرة، من الطاقة الشمسية إلى القطاع الصحي، ومن دعم المستشفيات الريفية إلى مشاريع المياه، ومن الخارطة المدرسية إلى منظومات الخدمات التي أسهمت في تثبيت مقومات الاستقرار والتنمية.
ولذلك، فإن الحديث عن الإمارات في شبوة لا ينبغي أن يبقى أسير السجال السياسي؛ فشبوة نفسها تملك من الشواهد ما يكفي لتقول إن للسياسة وجهًا آخر، اسمه التنمية، وإن للأشقاء أحيانًا لغةً لا تحتاج إلى كثير من البيانات، لأن المشاريع تتحدث عنها نيابةً عنهم.
ومن هنا تأتي أهمية التوقف أمام التجربة الإماراتية في شبوة، لا بوصفها ملفًا للمجاملة السياسية، ولا باعتبارها صفحةً مغلقةً على موقفٍ واحد، وإنما باعتبارها تجربةً تستحق أن تُقرأ بميزانٍ أكثر هدوءًا وعدلًا: ماذا فعلت؟ ماذا تركت؟ وما الذي يمكن أن يبقى من أثرها في مستقبل المحافظة واليمن؟.